ما أزال اذكر لحظة بلحظة ذلك الصباح وبكل جزئياته ليوم من ايام سبتمبر 1982 يوم كنا ننتظرك في ميناء بنزرت وانت في تلك الباخرة التي اقلتك مع مناضلي شعبك من بيروت الشهيدة المحاصرة. لا تزال صورتك في ذاكرتي وانت تنزل سلم الباخرة بابتسامة الامل التي لم تفارقك، رغم اشهر من الصمود والمقاومة حين كنت تحت قصف الاحتلال الاسرائيلي. واحتضنك الزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله وضمك الى صدره وقد انسابت من عينيه دمعتان، كعادته في مواقف المحن الكبرى أو الانتصارات التاريخية. كنا مجموعة من التونسيين حولكما ونحن لا نعرف اي مصير ينتظرك وينتظر قضيتنا الاولى، قضية فلسطين، في تلك المرحلة المفاجئة والجديدة من حياة الثورة الفلسطينية، مرحلة سماها المؤرخون بعد ذلك بمرحلة تونس، كان ذلك اليوم نقطة انطلاق حاسمة لمنظمة التحرير وهي تبتعد بكوادرها عن المشرق قادمة نحو المغرب. والمغرب العربي ظل عربيا في اعماقه، وتونس بالذات لم تنقطع عن القضية الفلسطينية، ولا يزال آباؤنا يذكرون كيف تظاهر التوانسة عام 1937 ضد عرض شريط المخرج سيسيل ب دوميل بعنوان «الارض الموعودة» الذي كان معلنا عن عرضه في قاعة سينما البلماريوم بتونس العاصمة، وكان التوانسة يتابعون اخبار الشيخ الشهيد عزالدين القسام في فلسطين وخرجت مظاهرة عارمة نظمها الحزب الدستوري ضد هذا الشريط المزيف للتاريخ، وسقط شهيدان تونسيان لعلهما أول توانسة استشهدوا من اجل فلسطين.. ثم جاءت حرب 1948 العربية ضد عصابات الصهاينة، فتطوع تونسيون وجزائريون ومغاربة وليبيون للمقاومة والحرب وسقط منهم شهداء على ارض فلسطين. خدعة كبرى كل هذه الذكريات تطفو على سطح الزمن اليوم، بعد حوالي عشرين عاما من حلولك بتونس، وانت اليوم على جزء من ارضك المحررة ملاحقا مطارداً مظلوماً، ضحية خدعة امريكية اسرائيلية صدقتها عن حسن نية وسعيت مع اخوتك المناضلين لرفع غصن الزيتون منذ بداية مسيرة ما يسمى بالسلام بمدريد ثم اوسلو ثم واي بلانتيشن ثم شرم الشيخ ثم كامب ديفيد ثم لا شيء.. لا شيء غير القتل والاغتيال وتدمير البيوت وقلع الزيتون وبناء المستوطنات وتخصيص ملايين الدولارات لتشويه صورتك وتدليس تاريخ وطنك في امريكا وفي الاتحاد الاوروبي وفي العالم. والنتيجة، بعد عشرين عاماً تقريباً من خروجك من بيروت وبعد عشر سنوات من رفعك لغصن الزيتون: ماذا جنى شعبك؟ ها هي واشنطن تعطي الضوء الاخضر لشارون حتى يذل السلطة ويخضعك لارادة الشر والظلم والقهر. ولعللك اليوم يا أبو عمار تأكدت من ان الراعي الامريكي لعملية السلام ما هو إلا الراعي لاسرائيل وتفوقها. فها انت اليوم موصوم بالارهاب بينما انت ضحيته. فشارون الارهابي يغتال الزعماء ويذبح الاطفال ويدمر فلسطين وهو يشعر بحماية امريكا ومباركتها، وانت مرفوض في واشنطن، لا يصافحك راعي السلام، بل يبعث اليك مدير مخابراته واحد جنرالاته المتقاعدين.. هذه هي النتيجة وهذا هو الحصاد. انه زمن العبث واللامنطق وزمن الجنون والخزي وزمن القهر والطاغوت، ولتسأل نفسك ولتسأل تلك القيادات الشابة التي لا تزال تقف معك ضد الطغاة، ولتسأل آباء وامهات الشهداء الشباب والاطفال: ماذا عسانا نفعل اليوم وهل حققنا شيئا؟ نعم لقد تغيرت معادلة القضية الفلسطينية، ولك انت بعض الفضل وللمقاومين الصامدين بعض الفضل في ذلك، اصبحت قضية فلسطين تفرض نفسها في كل منابر العالم حول السلام والمصير المشترك، نعم نطق رئيس امريكا بعبارة الدولة الفلسطينية.. لكن اية دولة يقصدون؟ بعد تدمير بناها الاساسية وقتل كوادرها واقتلاع زيتونها ورمانها، انهم يريدون لك دولة محاصرة مستعمرة محتلة منزوعة السلاح عاصمتها ابوديس تتعامل بالشيكل، دولة كنتونات مبعثرة تحت سيطرة اسرائيلية، دولة شتات لشعب شتات. فشارون بدأ يفتح ابواب كيانه لمليون يهودي جديد، سيحاصرون ما تبقى من شعبك وسيحولون مأساة الاحتلال الى امر واقع جديد. اغلاق القوس ولقد تأكد لك يا أبو عمار ولكل من كان يشكك في نظرية صراع الحضارات بأن الاتفاق كامل شامل بين واشنطن واسرائيل لوضع فلسطين ثانية اثنتين بعد افغانستان، لتجري عليها امريكا بأيد اسرائيلية عملية تدمير وابادة بذريعة بعض الاعمال اليائسة الناجمة عن القهر والاحتلال والتقتيل الاسرائيلي، والتي يقوم بها بعض شباب فلسطين، فيستشهدون لقاء احداث اي ضرر بالعدو المغتصب، لا تلك الممارسات الارهابية المتعدية على كل المواثيق الدولية والشرائع العالمية المتمثلة في احتلال الارض واغتصاب حقوق شعب واحلال شعب دخيل محل شعب اصيل. ولعلك تتساءل اين العرب والمسلمون في عصر العولمة؟ بينما تغاضيت عن التشاور معهم في ازمات سابقة واخذت مبادرات فردية. ولكن لكل مقام مقال فالمصير العربي كله اليوم في منعرج تاريخي حاسم والصواريخ التي تدك بيتك ومطارك ومدارس ابناء شعبك سوف لن تقف هناك، بل ستتعداها تحت نفس شعار مقاومة الارهاب الى حدود دول اخرى.. كثير منها لا يشك اليوم في انه على قائمة الانتظار مهما كان ولاؤه لسياسة امريكا. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر