قمت بالاتصال قبل ايام على احد الاصدقاء لتفقد احواله وتهنئته بشهر رمضان، فقال لي ان الطبيب قد طلب منه الامتناع عن مشاهدة نشرات الاخبار او سماعها وعدم قراءة الصحف او متابعة احداث السياسة، بعدما تردت صحته من تأثير متابعة الاخبار واحداث السياسة خلال الايام الماضية. وما اصاب صاحبنا نعيشه جميعا دون ان نستطيع عزل انفسنا عما حولنا، لان الاخبار صناعتنا والكتابة حرفتنا ومتابعة احداث السياسة هي طعامنا وشرابنا لذا فإن نصائح الاطباء احيانا لا تجدي معنا في مثل هذه الحالات، غير ان الواقع السياسي الذي تعيشه الامة اكبر من مجرد اصابة الانسان بالضغوط أو الكآبة. ان متابعة الاحداث ومعايشة الاخبار في هذه الايام امر صعب للغاية على كل نفس، ورغم نصائح صناع الاخبار من ضرورة التعامل مع الاحداث من الخارج وعدم ادخالها الى النفس إلا ان الانسان يخادع نفسه اذا قال ان هناك حياداً في المهنة ،لكنه يكون اكثر صدقا اذا قال ان هناك موضوعية، وفي بعض الاحيان يجد الانسان انه من الضرورة ان يبتعد قليلا عن بؤرة السياسة والاحداث لاسيما وهو يتابع ما يدور الآن من مشاهد على الساحة الافغانية والفلسطينية وهي مشاهد تؤكد على ان معجزة الهية لابد ان تحدث حتى يبقى التوازن قائما في الكون. لذا فإن اللجوء الى الله والتقرب منه في مثل هذه الايام لاسيما وان شهر رمضان في ايامه الاخيرة قد يكون ملاذا للانسان وطريقا لصرف اليأس والقنوط عنه، وهذا ما سعيت للقيام به وقلت لأبتعد قليلا عن هموم السياسة واعيش مع نفسي محاولا ازالة ما فيها من هموم واذابة ما فيها من جليد وصرف ما فيها من قلق وتوتر دائم تفرضه طبيعة عملنا القاسية. وكانت المدينة المنورة محطتي الاولى حيث ان للمدينة في النفس مكانة عظيمة فالراحة النفسية والسكينة والطمأنينة والصفاء والنقاء والسمو ورفعة النفس والاجواء الروحانية التي تغمر القلب في المدينة من الصعب ان اجدها في مكان آخر، اما اهل المدينة الذين آووا رسول الله وناصروه فمازال في احفادهم بعض ميراث ابائهم واجدادهم يفيضون به على ضيوف الرسول صلى الله عليه وسلم وزواره. ولاهل المدينة عادة رمضانية جميلة حيث يعدون موائد للفطور لكل المصلين في المسجد النبوي تمتد من المحراب الى الساحات الخارجية للمسجد، اما داخل المسجد فالفطور نوع واحد هو التمر والدقة والخبز بالسمسم والزبادي، وكل عائلة لها سماط ومكان خاص بها يقوم رب العائلة بنفسه مع ابنائه والعاملين عنده يبسط الفرش ووضع الطعام وخدمة الصائمين وربما يكون هذا هو المكان الوحيد في العالم في تصوير الذي يتدلل فيه الفقير ويتذلل فيه الغني حيث ان اصحاب الموائد وابناءهم يقفون على مداخل المسجد وفي طرقاته الداخلية من بعد صلاة العصر وحتى موعد الفطور يطلبون من المصلين ان يحلوا ضيوفا على موائدهم. جلست ما يزيد على ساعة ارقب اصحاب الموائد وابناءهم وهم يتوسلون احيانا الى المصلين الداخلين الى المسجد حتى يجلسوا على موائدهم، وشخصيا تعرضت لموقف محرج للغاية فقد دعاني احدهم الى مائدته بتودد في مدخل المسجد وكان شبلا بين الطفولة والصبا وامسكني من يدي برفق وبدأ يسحبني الى مائدة عائلته فقلت له اني ذاهب الى داخل المسجد وهناك من ينتظرني إلا انه ألح عليّ واخذ يتوسل ثم نادى على اخيه الاكبر الذي امسكني من ذراعي الآخر واخذ يلح بأدب ولطف، ورغم اني كنت اغطي نصف وجهي بالشماغ هروبا من تعرف الناس عليّ إلا ان اخاه تأمل الجزء الظاهر من وجهي ثم قال بلهفة: أنت احمد منصور لن اتركك ثم نادى على باقي اخوانه وأبيه فوجدت العائلة كلها حولي واصبحت تحت الحصار قلت لهم اعدكم بأن آتي غداً لمائدتكم لاني وعدت صاحب مائدة في الامام بالامس ان افطر عنده اليوم ولا اريد ان اخلف موعدي.. تركوني بصعوبة وذهبت الى مائدة الحاج محمود خان وهو من اهل المدينة الكرام وتعود اصوله الى مدينة بخارى في اوزبكستان وجلست اتأمل اهل المدينة وهم يرجون الناس ان يحلوا على موائدهم فتجد رجلا من اهل اليسار يرجو آسيويا فقيراً ان يحل على مائدته والاسيوي يتمنع والرجل يرجوه ويلح عليه وقد رأيت احدهم وهو يهم بتقبيل يد احد المصلين من البسطاء حتى يأخذه الى مائدته، فقلت اي عزة وأي دلال هذا الذي يعيشه الفقراء والبسطاء في تلك اللحظات، وأي رجاء وتذلل يعيشه الاغنياء اصحاب الموائد وهم يرجون هذا ويتذللون لذاك طمعاً في الاجر والمثوبة، قلت للحاج محمود خان وهو يقوم بنفسه على خدمة بسطاء الناس، اما تستريح انت لكبر سنك ويكفي ما يقوم به ابناؤك بارك الله لك فيهم فقال لي: يا بني ان اجد متعة كبيرة وانا اخدم زوار رسول الله وضيوفه.. غمرتني العبرات مع الجو الروحاني المفعم بالسكينة والصفاء.. وقضيت مع نفسي في المدينة المنورة اياما كنت بحاجة ماسة اليها بعيداً عن هموم السياسة. ـ كاتب واعلامي مصري