إنعقاد مؤتمر «حوار الحضارات.. تواصل لا صراع» تحت رعاية الجامعة العربية وفي رحابها، يمثل ذروة انشغال الأمة العربية بالتصدي لحملة التشويه التي تتعرض لها في المرحلة الراهنة، تاريخا وقيما وسلوكا ودورا في مسيرة الحضارة الانسانية.. ومن المفهوم والثابت أن القوى، التي تضطلع بهذه الحملة المسعورة الشائنة، تمرح أساسا في عالم الغرب. وهي تتغذى على الصور النمطية السلبية بحق العرب والمسلمين، التي تعامدت في تكوينها عوامل بالغة التعقيد، فكرية وسياسية واقتصادية ودينية. لقد تضافرت هذه العوامل وتشابكت حلقاتها عبر مسار تاريخي ممتد وحين أطلت الصهيونية بمشروعها الاستعماري السياسي، وجدت من حولها بيئة غريبة مشبعة بروح العداء والتربص بالعرب. الأمر الذي أحسنت استغلاله من ناحية، وعمدت الى النفخ في أواره وتعزيزه من ناحية أخرى. الذين قدر لهم مطالعة مضامين هذه البيئة، وقدرة القوى الصهيونية ومحالفيها المتصهينين على شحن هذه المضامين وشحذها بمثابرة ودأب، يدركون حجم الصعوبات التي تنتظر الجهود العربية العاملة في الاتجاه المضاد، إتجاه تفريغ العقل الجمعي الغربي من المفاهيم والصور السلبية المتراكمة في تضاعيفه تجاه العرب والمسلمين، ومن المعروف أن عملا من هذا القبيل هو غاية لا تدرك بسهولة أو بمجرد النوايا الحسنة، لأن ما تم بناؤه ثقافيا وفكريا ونفسيا في حقب مطولة، لا يمكن هدمه ثم إحلاله بمحتويات أخرى بديلة في وقت محدود. على أن الأهداف النبيلة التي تستحث العرب على إختراق حائط الصد الغربي، تستحق الجهد الذي سيبذل. ثم إن للعرب مصالح عيانية مادية، لا يمكن أن تتحقق في عالم الغرب قبل تنظيف بيئته الداخلية من عناصر البغضاء المترسبة فيها نحوهم.. ولا ريب أن هذه الدوافع الأخلاقية والمادية هي التي تقف خلف الدعوة العربية للحوار مع هذا العالم، عوضا عن فكرة التصارع والاصطدام الحضاري معه، التي يروج لها المرجفون بحق العرب والمسلمين هناك. بيد أن الغرب على محوريته وصدارته في الحضارة الانسانية المعاصرة، ليس هو كل العالم، ولا هو كل الآخرين الذين ينبغي محاورتهم عربيا. واذا كان المقصود بالمبادرة العربية للحوار والتناظر، هو تصحيح كثير من التصورات والرؤى المغلوطة حول الحضارة العربية بالذات، فإن هناك دوائر حضارية أخرى جديرة بمثل هذه المبادرة، وربما يكون من دواعي الأسى أن نلاحظ إنتشار هذه التصورات بين ظهراني مناطق، يفترض حقا أنها قريبة من حضارتنا العربية، موصولة بالود معها بالمعنى التاريخي، والجغرافي والثقافي، بل وبالمضامين الروحية الدينية أيضا. وفي تقديرنا أن العالم الآسيوي، بشقيه الاسلامي وغير الاسلامي، يقع الآن على رأس المرشحين لهذه الحالة البغيضة، واذا تمكنت هذه الحالة من العالم، الذي طالما شكل ظهيرا أو حتى رديفا حضاريا للعرب، فسوف تكون خسارتهم فادحة، ربما كان أداء بعض العرب في المعمعة الأفغانية مسئولا عن الكراهية المتصاعدة ضد عموم العرب في أفغانستان. وذلك يعود الى خصائص الصور القومية النمطية، التي تمتد من البعض الى الجميع على نحو تلقائي، لكن ظاهرة الامتعاض الآسيوي من العرب ليست وليدة الأزمة الأفغانية فقط. إنها أوسع انتشارا من أفغانستان وأقدم وجودا من المرحلة الراهنة. فمنذ زهاء العقدين لم يعد العرب مفهومين في الرحاب الآسيوية، ولا عادت لهم المكانة المميزة التي شغلوها لأجيال متعاقبة. حدث ذلك في الصين والهند بشكل أساسي، وفي البلاد الاسلامية نسبيا، واذا جازت المقارنة، فقد زحفت الحركة الصهيونية وكيانها السياسي اسرائيل على مساحة واسعة من أنحاء القارة، وتم ذلك على حساب مواقع عربية. على دعاة الحوار العربي مع الآخرين الاعتراف بهذه الحقيقة، والتصدي لها بعد تحليلها موضوعيا وبلا شعور بالحرج والحساسية. لقد جاء حين من الدهر، كانت فيه الرؤى الحضارية المشتركة بين الآسيويين والمسلمين والعرب، من أبرز محددات الاصطفاف الآسيوي خلف القضايا العربية بلا أدنى تردد. ويذكر أن الزعيمين غاندي ونهرو لم يتعاطيا مع المشروع الصهيوني على صعيدي الفكر والحركة، باعتباره مناقضا لمسار التاريخ والحضارة الآسيوي. وعلى رغم افتراقهما الفكري والسياسي البالغ، فقد توافق الزعيمان ماوتسي تونج في الصين ومحمد علي جناح في الباكستان على رفض هذا المشروع، كونه يجافي الروح الآسيوية ويصدر عن نزعة استعمارية غربية ويتأسس على منظور ديني عنصري. والحق أن البلاد الآسيوية جميعها اهتدت برؤى هؤلاء الزعماء.. وعند التصويت على قرار تقسيم فلسطين 29 نوفمبر 47، وقفت الدول الآسيوية المشاركة بلا استثناء ضد القرار. وظلت آسيا قارة شبه مغلقة أمام الصهيونية واسرائيل، ومفتوحة على مصراعيها لتقبل المواقف العربية. علينا أن نعترف بأن هذا الزمن العربي في آسيا قد تراجع بوتيرة قياسية. وأن العرب لا يستطيعون الآن الادعاء بسلامة مواقعهم ومكانتهم في معظم دول القارة، وتبدو هذه الظاهرة المؤلمة ملفتة للانتباه، حين نرى حجم التحريض الذي يضطلع به ضد العرب، قادة وأصحاب رأي وسطوة جماهيرية، من أولئك الذين تشبعوا مطولا بالثقافة العربية الاسلامية. إن ما يفعله بعض رجالات ما يعرف بتحالف الشمال الأفغاني، ونفر من القيادات الشيشانية والأذرية والأوزبكية، مثل لا يخلو من دلالة في هذا الاطار. فمن هؤلاء من يجيد الحديث بالعربية كأهلها. ومع ما تشي به هذه الحقيقة من أواصر ثقافية حضارية بينهم وبين العالم العربي، إلا أنهم يغلون في تشددهم ضد هذا العالم! سوف تشهد الديار الآسيوية مزيدا من هذه النماذج المغرضة في المستقبل القريب. فالصهيونية التي تتغلغل بانسياب واضح هناك، لن تترك مع محازيبها المحليين والغربيين فرصة للانتكاس بهذه الحالة ومع ذلك، نحن نتصور أن فتنة الثقافة العربية لم تتجذر بعد في هذه الديار. بصيغة أخرى، لم تتحول المواقف السلبية بحق العرب في آسيا الى اتجاهات قوية حاكمة، لاسيما في أوساط الرأي العام. وهذا يعني أن فرصة العرب للاستدراك والمعالجة ما زالت قائمة.. لكن هذه الفرصة لن تبقى الى ما لا نهاية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة