لولا ان ادارة بوش ضمنت مسبقا شراكة تحالفية مع حكومة الجنرال مشرف في باكستان لترددت في شن مغامرتها العسكرية ضد نظام طالبان الافغاني وبعد، فان طالبان كتنظيم سياسي ما كان له ان ينجح في الاستيلاء على السلطة المركزية في كابول اصلا والتوسع ، في بسط نفوذه على الاراضي الافغانية، لولا ان باكستان كانت وراءه بكلمة واحدة، كان الدعم الباكستاني للحركة في مرحلتها التنظيمية وبعد تسلمها السلطة شريان حياة. بالطبع كانت هناك عوامل اخرى استثمرتها الولايات المتحدة، في مقدمتها عداء مستحكم من قوتين اقليميتين، روسيا وايران، ضد طالبان من ناحية وتفتت القيادات القبلية لقومية البشتون، القاعدة الشعبية العرقية لحركة طالبان ـ واختلافها على نفسها من ناحية ثانية لكنها كانت عوامل ثانوية من منظور واشنطن بالمقارنة مع القيمة اللوجستية العظمى للموقف الباكستاني. لقد نشأ تنظيم طالبان في حضن المؤسسة العسكرية الباكستانية في الفترة السابقة على وقوع انقلاب مشرف عام 1998 وفي اول وهلة اريد له ان يكون حركة دينية مسلحة تستند الى قومية البشتون، الموزعة مابين افغانستان وباكستان، كقاعدة عرقية. ورغم ان العقليات القيادية للمؤسسة العسكرية الباكستانية لم تكن متحمسة للاجندة الاسلامية السياسية لقادة التنظيم، الا ان هذه العقليات كانت ترى فيها عقيدة قتالية قوية للتنظيم. بحلول النصف الثاني من عام 1994 كان الاعداد العسكري السري للحركة قد اكتمل تحت اشراف قيادات الجيش الباكستان، وعلى نحو فجائي انطلقت الحركة كاعصار في المسرح القتالي الافغاني من قاعدتها في قندهار مستهدفة نظام برهان الدين رباني في كابول، وفي عام 1996 سقطت كابول وتولت طالبان السلطة. الآن وحين ننظر للوراء بعد ان اندحرت حركة طالبان، نكتشف ان تسلم طالبان السلطة ربما كان علامة فارقة في العلاقة بين الحركة والحكومات المتعاقبة في باكستان . فقد جنح قادة طالبان كنظام حكم نحو تبني اجندة استقلالية على الصعيد الخارجي، هذه الاجندة المبنية على ضرورة مواجهة عالمية بين امة المسلمين واعداء الاسلام خاصة الولايات المتحدة واسرائيل، هي التي مهدت لقيام علاقة تحالفية بين قيادة طالبان واسامة بن لادن .. لكنها من ناحية اخرى ازعجت نظام الحكم في باكستان ومؤسسته العسكرية فقد تهيبت دوائر الحكم في اسلام اباد من ان دعمها التحالفي لطالبان قد يقود باكستان الى صدام مع الولايات المتحدة. وجاءت احداث 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك لتخلق مناخا عالميا جديدا يهييء للادارة الامريكية استغلال هذا التخوف الباكستاني من جنوح طالبان. بكلمات اخرى، كانت حكومة الجنرال مشرف مهيأة نفسيا للتخلص من نظام طالبان عندما شرعت واشنطن في شن ضغوط ضد اسلام اباد. منذ ذلك الحين نستطيع ان نقول ان العد التنازلي لحركة طالبان قد بدأ. ولو كانت حكومة مشرف قد تمسكت بتحالفها مع نظام طالبان لاختلف الامر تماما. لقد كان هناك عاملان عسكريان مباشران لهزيمة قوات طالبان في مسرح القتال وكلاهما يتصل بالموقف الباكستاني اولا توقفت الامدادات الباكستانية من اسلحة وذخائر ووقود وقطع غيار واغذية، ثانيا ظلت المؤسسة العسكرية الباكستانية تزود القيادة العسكرية الامريكية بما يتوفار لدهيا من معلومات استخباراتية يتوافر لديها بشأن خطط وتحركات قوات طالبان. وفي هذه الاثناء لعبت المؤسسة العسكرية الباكستانية دورا حيويا في حمل قادة قبائل البشتون على التخلي عن تأييد طالبان مما ادى بدوره الى تنافس قتالي بين هذه القبائل للفوز بتركة طالبان في السلطة. لكن هل تنتهي القصة الباكستانية الافغانية عند هزيمة طالبان؟ هذا هو السؤال الذي ينتظر الاجابة. أحمد عمرابي