كنت أعرف وأقدر أن الرأي العام في كندا هو جزء من الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية تصنعه أجهزة الإعلام وفق المنظور السياسي ـ البراغماتي للإدارة الأمريكية ومصالحها واستراتيجياتها، وهي إدارة محكومة كما نعرف بالرؤية الصهيونية وبصانع القرار الأمريكي الذي يعمل وفق العقيدة الصهيونية.ولكن المفاجأة التي صدمتني يوم الثلاثاء 4/12/2001، إثر عمليات المقاومة الجهادية في فلسطين المحتلة وحيفا ومستعمرة إيلي سيناي، وإثر القصف الوحشي لغزة الذي قام به النازيون الجدد ـ الصهاينة، الذين يقودهم شارون ويدعمهم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وحكومته بلا حدود، كانت أكبر من قدرتي على التخيل لنوع من العداء الأعمى للعرب من جهة والولاء الأعمى لليهود من جهة أخرى. فقد جاء في استعراض الصحف الكندية الصادرة هناك. جريدة غلوب أند ميل ـ «أنه أياً كان الظلم الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ خمسين سنة فأنه لا يبرر على الإطلاق ولا بأي شكل من الأشكال التفجيرات ومقتل ثلاثين إسرائيلياً يوم السبت 1/12/2001»، وقد استفزني العجب والغضب ووجدتني أتساءل: هل أكثر من 750 شهيداً فلسطينياً بينهم ما يزيد على 180 من الأطفال امتزج دمهم بحبر كتبهم وأحلامهم وتراب وطنهم، منذ بدء انتفاضة الأقصى حتى اليوم، وعشرات آلاف الضحايا ومئات آلا ف الجرحى العرب، ومذابح يمتد سيل دمها من: دير ياسين وقبية ونحالين وقرية الدوايمة وكفر قاسم إلى القدس والحرم الإبراهيمي وصبرا وشاتيلا وقانا الجليل، وتشريد ملايين الفلسطينيين وسرقة وطنهم والقضاء على مستقبل شعب وتمزيقه بين الدم والحصار والقهر منذ بداية الصراع العربي الصهيوني .. هل كل ذلك لا يساوي شيئاً عند أولئك الناس ولا يسوغ للفلسطيني أن يقتل من يقتلُه أو أن يدافع عن نفسه وبيته وبنيه وما تبقى من مقدساته ومقومات وجوده!؟ هل كل أرواح الأبرياء الذين اقتحم عليهم الصهاينة وطنُهم التاريخي لا تساوي أرواح ثلاثين صهيونياً محتلاً لا يملكون من البراءة ذرة واحدة لأنهم يعيشون حالة العدوان المستمر والعنصرية المستمرة ويتحينون الفرص لقتل العرب!؟ حزنت وغضبت وعجبت ولكن ليس إلى الحد الذي يجعلني أتوقع من العدو أو ممن صنعوا كيانه الاستعماري ويتبنون مشروعه الاستيطاني ويتحالفون معه ويدعمون إرهابه..غير ما يقولون ويفعلون ويقدرون. وحدة المواقف لقد سمعنا من حاخام يهودي كبير قوله العنصري الشنيع..: «إن الرب يندم على أن خلق أبناء إسماعيل» ـ أي العرب ـ و «إن العرب صراصير تجب إبادتهم».؟! ويبدو للأسف أن هذا النوع من الخطاب الدنيء لا يصل إلى من ينبغي أن يصل إليهم، ولا يريد أن يسمعه ويعقله ويتعامل معه من ينطوي على عنصرية مقيتة وعداء مقيم ضد العرب والمسلمين في البيت الأبيض وسواه من منابت الحقد البغيض. وسمعنا الرئيس الأمريكي بوش يقول بعد عملية المجاهدين الفلسطينيين في القدس: «لقد فزعت وحزنت حين علمت بالتفجيرات التي وقعت مساء اليوم ـ السبت الأول من ديسمبر ـ في القدس. إنني أشجبها بشدة كأعمال قتل متعمد لا يمكن لأي شخص ذي ضمير أن يحتملها ولا يمكن لأي قضية أن تبررها أبداً. وطالب الرئيسَ عرفات بأن «يتخذ عملاً سريعاً وحاسماً ضد الإرهابيين والمنظمات التي تدعمهم».، بينما لم يقل صاحب البيت الأبيض كلمة يدين بها عمل صديقه شارون الذي أعطي الحق في الدفاع عن «دولته وشعبه» بعدما قصف الأخير مطار غزة ومقر الرئيس عرفات فيها وجرح مئات الأشخاص هناك بهجوم طائرات الأباتشي، وإنما قال الرئيس بوش شيئاً يستحق التسجيل للذكرى والتاريخ والعِبرة، قال في مدينة أورلندو بفلوريدا: «إن لدي حلماً، وهو بأن تحظى إسرائيل بالسلام» و «إنه يتوجب على السيد عرفات الآن أن يرد بقوة لقمع هؤلاء الذين قتلوا الناس».؟! إن الرئيس بوش لم ير فيمن قتلوا وجرحوا من الفلسطينيين قبل الأول من ديسمبر 2001 وبعده أناساً!؟ وهو منسجم في هذا التفكير والتعبير تماماً مع تكوينه الثقافي الذي يرى في المشروع الصهيوني مشروعاً مقدساً وفي اليهود شعباً مختاراً فوق الشعوب، وفي العرب صراصير تجب إبادتها، وفي الولايات المتحدة الأمريكية دولة مكلفة من الرب بالسيطرة على العالم ونقل «حضارتها» إليه بالقوة، ولا يبدو أن ضمير الرئيس الأمريكي سيصحو من غفوته المديدة ليرى في الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا أمام مدرستهم: «أناساً».. فهم بكل بساطة فلسطينيين ممن يراهم الحاخام عوفاديا يوسيف صراصير تجب إبادتهم. ما يطلبه الرئيس بوش ووزير خارجيته ومسؤولو حكومته وما يصر عليه الكيان الصهيوني ورموزه منذ توقيع اتفاق أوسلو على الأقل حتى اليوم هو أن يقوم الرئيس عرفات والسلطة الوطنية الفلسطينية التي يقودها باستخدام الإمكانيات التي بحوزته 35 ألف شرطي ورجل أمن بأسلحتهم الفردية وبالرشاشات التي زوده بها الكيان الصهيوني وبما يمكن أن يزوده به بعد إثبات حسن النية ـ بشن حرب على من لا يخضع لسلطة المحتل وأوامره ومن لا يستسلم له ويقبل بما يعرضه عليه من فتات وطنه فيما يسميه: «فرص السلام». والعدو لم يوفر مناسبة إلا واستغلها لدفع الأمور في الساحة الفلسطينية إلى الهاوية الدموية، ولم تكف الصحف الصهيونية وكتاب المقالات فيها، وكذلك رموز الاحتلال الصهيوني عن الإشارة إلى هذا الموضوع والمطالبة به جهاراً، بل إن التصريح كان وقحاً في زمن سابق كانت فيه استجابة غريبة مريبة لمطالب المحتل عندما كان العدو يقول: «لماذا زودناه بالسلاح إذن»؟!. وقد دخل الجدل داخل التجمع الاستعماري الصهيوني وحلفائه الأمريكيين في الأشهر الأخيرة حول مدى رغبة الرئيس عرفات بالقيام بهذه الوظيفة على غرار ما قام به على طريقها في شهر مارس عام 1996، ووصلت الاستنتاجات إلى أنه لا يريد أن يعلن حرباً أهلية على شعبه أو أنه لا يستطيع ذلك، على الرغم مما يعِدُه به القادة الصهاينة والولايات المتحدة الأمريكية من قوى وإمكانيات لحسم المعركة مع الجهاد الإسلامي وحماس والشعبية وبقية التنظيمات أو الشرائح الرافضة لأوسلو في فلسطين المحتلة وخارجها. افغنة العرب ومن الواضح أن الصهاينة الآن يسدون كل الطرق المؤدية إلى خلاص الشعب الفلسطيني من فتنة يُراد فرضها عليه لإلحاق التدمير النهائي به وبقضيته من خلال إجباره، أو إغراء بعض ضعاف النفوس والمتعطشين في صفوفه للحماية الصهيونية ولما تعدهم به من سلطة وثروة وازدهار، إجباره على خوض القتال الداخلي لحسم الخيارات بالقوة المسلحة.. وهم يتركون واحداً من خيارين: ـ إما تهمة الإرهاب وملاحقة كل مقاوم للاحتلال بوصفه إرهابياً قاتلاً مدمراً «لعملية السلام» وملاحقة من يسكت عن ملاحقته ومن يسانده بوصفه راعياً للإرهاب. ـ وإما الاقتتال الداخلي حتى الفناء الكلي ، لكي ينهزم «الشر والإرهاب» نهائياً وتحظى «إسرائيل بالسلام الذي يتمناه الرئيس الأمريكي لها ولا يتمناه ولا يريده أبداً لسواها» ؟ فهو ملتزم «أخلاقياً» بتفوق إسرائيل العسكري على العرب والمسلمين مجتمعين وبأمن شعبها ورفاهيته؟!. وهذا النهج من التفكير والتدبير هو نهج ثابت في الاستراتيجية الأمريكية ـ الصهيونية، وعلى رأس الوسائل: تسخير الغير ليخوضوا المعارك لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها الصهيوني حتى إذا أنجز المهمة أو كاد تدخلت هي لتقطف الثمرة وتعلن انتصارها الكبير وهيمنتها المطلقة .. هذا ما فعلته في الحربين العالميتين الأولى و الثانية وهذا ما تفعله اليوم في أفغانستان، وهذا ما تريد أن تفعله بنا نحن العرب وبالفلسطينيين من بين العرب، بعد أن تفرغ من أفغانستان، كما تلمح وتصرح وتهدد وتتوعد. والسؤال الذي يواجهنا في هذه الظروف الصعبة لا تنحصر معطياته في عدونا واستراتيجيته ومصالحه وما يريد تحقيقه تحت برنامج «مكافحة الإرهاب» بل ينحصر بنا نحن الذين ينتظرنا الموت والحصار والقهر والتجويع والترويع: فما ذا نريد، وماذا نفعل لكي نصل إلى ما نريد، وكيف نحدد اختياراً ناضجاً سليماً مسؤولاً ونخدمه بكل الوسائل قبل أن يأتي وقت لا يتبقى لنا فيه اختيار أو قدرة على دعم أي نوع من الاختيارات؟! لقد رفعنا صوتنا منذ أكثر من سبعة عشر عاماً بضرورة التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان، لأننا كنا نعاني من الإرهاب الصهيوني المدعوم أمريكياً وحين نرد عليه في أرضنا المحتلة نتهم بالإرهاب، لم يكن ابن لادن عندها موجوداً ولم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، نادينا وصرخنا ولم نحقق ولو تعاطفاً لانعقاد مؤتمر دولي لهذه الغاية، فقد كنا يأكل بعضنا بعضاً؟! وبقي الصهيوني المحتل وحليفه الأمريكي يقدمان كفاحنا المشروع في الدفاع عن النفس والسعي لتحرير الأرض من الاحتلال ورفع الحصار عن مدننا وقرانا وأرواحنا على أنه إرهاب، ويقدمان احتلالهما لأرضنا وقهرهم لنا على أنه دفاع مشروع ضد الإرهاب؟! إنهم لا يقتنعون بإنصافنا بل يستهجنون أن نطالب بما نسميه الإنصاف.. إذ أننا بنظرهم نأخذ أكثر من حقوقنا ومما نستحق، ويجب أن نكف عن «ترويع إسرائيل والمطالبة بتدميرها» لأن تعرضها «لإرهابنا» قد وصل إلى حدود لا تحتمل، ويكفي أنها لم تحرر كامل أرضها التي ما زلنا نحتلها؟! منطق عدواني عنصري هجومي عجيب. وإذا قلنا نحن ضحية إرهابها لا يسمعون لنا بل يسخرون منا، وإذا أوصلنا صوتنا للعالم بالمقاومة المشروعة والجهاد المقدس والعمليات الاستشهادية النوعية لاحقونا ولا حقتنا بعض أنظمتنا واتهمنا شيوخنا؛ ولاحق كل أولئك كل نظام لا يقبل هذا الحكم الصهيوني ويدعم مقاومة مشروعة ضد الاحتلال وانتفاضة شعبية ترفض أن يموت شعب ليحيا على أرضه لصوص وعنصريون وقتَلَة ونازيون جدد؟! التبرع بالانهزام حتى موتنا من أجل حريتنا أصبح موضع إدانة وملاحقة، وحتى دمنا الذي نرخصه من أجل التحرير والاستقلال والدفاع عن النفس والوطن والكرامة والمقدسات ولحمنا الذي نحوله إلى سلاح أصبح متهماً وملعوناً مداناً لأنه يمس «بأبرياء» يحملون السلاح ويطورون الأسلحة المحرمة دولياً، ويخوضون في دمنا، ويمارسون القهر ضدنا، ويدنسون مقدساتنا ويطردوننا من أرضنا .. ولهم كل الحق في أن يفعلوا ما يشاؤون وليس لنا الحق في أن نموت كما نشاء..؟ ولا يتردد «حكماؤنا» وبعض حملة القلم من بني جلدتنا في إدانتنا واتهامنا وإهدار دمنا لأننا خارج حدود المنطق وخارج الرؤية الأمريكية التي يحق لها أن تسود العالم وتسود علينا الصهاينة النازيين؟! لقد عجبت وغضبت وليس لي سوى أن أعجب وأغضب من ظلم بهذا الحجم وتهديد بهذه الوقاحة وقوة بهذه الغطرسة وعالم بهذا الجبن والتخاذل وأمة بهذا الهزال و«عقلاء» فيها يرون الحكمة في الاستسلام لوحش لا يلبث أن يفترس المستسلم أولاً والمستسلم آخراً ومن يرفض الاستسلام بعد أن يضعفه ويجرده من إرادته ومن قوة أمته؟! وقلت وأقول لمن يلوم أو يعجب أو يرجئ.. تعالوا نختصر الموضوع بكلمات: قضيتنا عادلة، وقوتنا ضعيفة، وعدونا قوي، والمعطيات العالمية ليست في صالحنا، والمطلوب منا أن نسكت على من يؤكل أولاً ونشارك في أكله إلى أن يحين دور كل منا ليكون طعاماً للمعتدين .. فمنطق العدو واضح وتهديده صريح وهو يرى في كل حركة منا لا تسجل خضوعاً له نوعاً من عدوان عليه وتمرد إرهابي يجب أن يُباد؟! ماذا نفعل ؟! هل نقبل واقعاً بهذا السواد والرداءة ونُقبل عليه مبتهجين به شاكرين كرم من وفره لنا.. والنتيجة المترتبة على هذا معروفة، أم نرفض هذا النوع من الخضوع والنتيجة معروفة أيضاً؟! إن أمتنا عملياً لا تستحق هذا المصير الرديء .. فهي ليست مجردة من كل قوة: مادياً ومعنوياً، وليست عاجزة عن أي تصرف، وليست مرشحة لأن تكون خارج التاريخ.. نعم إنها مفتتة القوى بالولاء للعدو والقوي والدخيل والغريب المريب، ويرى بعض «فطاحلها وفحولها وسدنة السلطة فيها وطواويسها» أن من العار عليها في هذا القرن «الحضاري العريق» أن تلتف حول راية وقضية وعقيدة وهوية وهدف وتدافع عن ذلك بشرف.. لأن زمن الولاء للقومية والعقيدة ولى، و زمن الحروب غير الأمريكية ولى أيضاً، ومع أمريكا 9999% من كل الحلول لكل المشكلات، وقد «انفتح العالم الأمريكي الأوسع ليجعل الأمم في قرية هي: مختارها، عمدتها، وحارسها وقاضيها وجلادها وعشاقها أيضاً والسيد الأمريكي هو وحده الذي يقرر ويدبر فيها وفق ما يشاء؟! وفي هذا خروج من التاريخ وإخراج للمستقبل من كل تاريخ.. إن الاختيار أمامنا واضح: فإما أن نكون مقاومين للصهيونية وحليفها الأمريكي الذي لا يقل دموية وعنصرية وعدوانية عنها، ولهذا ثمنه الكبير؛ وإما أن ننصاع انصياعاً كلياً للصهيونية وحليفها الأمريكي، ولهذا نتائجه المدمرة مادياً ومعنوياً.. حاضراً ومستقبلاً؟؟ إنه سؤال الاختيار .. ولكل اختيار ثمن. ـ رئيس اتحاد الادباء والكتاب العرب