مع تصاعد الحملة الأمريكية على أفغانستان، وقبل بدء العمليات البرية، وفي ظل التوهم بأن مقاومة طالبان ستستمر طويلا، وفي محاولة لايقاف المذابح التي تجري هناك، انتهزت العديد من الحكومات والهيئات والأحزاب العربية والاسلامية فرصة اقتراب شهر رمضان لتطالب أمريكا بإيقاف الحرب خلال الشهر الكريم مراعاة لمشاعر المسلمين وخوفا من ثورة الرأي العام في العالمين.. العربي والإسلامي.وبغطرسة أمريكية معهودة أعلنت واشنطن رفض هذه المطالب، وتحول بعض المسئولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزير الدفاع رامسفيلد إلى فقهاء في شئون الدين الإسلامي أفتونا بأن صحيح الدين الاسلامي لا يمنع مايقومون به ضد أفغانستان، وأن المسلمين الأوائل حاربوا في رمضان، والعرب في حرب أكتوبر قاموا بالعبور الكبير في عز الصيام. وكان الرد على مولانا الامام رامسفيلد ورفاقه يسيرا، فلا هم في أفغانستان يحملون راية الاسلام، والمسلمون الأوائل لم يكونوا يحاربون في رمضان أو غيره - الا لرد الاعتداء عليهم وتمكينهم من عبادة الخالق عز وجل. أما تشبيه مايحدث على أرض افغانستان بحرب أكتوبر المجيدة فهو نوع من النصب السياسي لا أكثر ولا أقل. ولم يكن المجال بالطبع مجال سجال فقهي، ولكنه كان يكشف عن رؤية الادارة الأمريكية لمدى قدرة العالمين العربي والاسلامي على التحرك، وتقديرها بأنه لا وجه للانزعاج من رأي عام قد يثور، أو مصالح أمريكية قد تتهدد، وأن كل شئ سيمر كما تريد واشنطن بالتمام والكمال. وهكذا جاء شهر رمضان، واستمرت المعارك في افغانستان، ولم يتحرك أحد في العالمين العربي والاسلامي. ثم تحولت المعارك الى مذابح تستهدف العرب قبل غيرهم®. ولم يتحرك أحد - ثم تحولت المذابح إلى مأساة حين رفضت الادارة الأمريكية أن تقبل الأسرى وتركت ماحدث قبل ذلك في صبرا وشاتيلا يتكرر في مزار الشريف حيث تم قتل الأسرى ومعظمهم من العرب عن آخرهم. وبقي الهدوء مسيطرا على الشارعين العربي والإسلامي. بعدها®. بدأ الحديث عن أن العراق سيكون الهدف التالي للحملة الأمريكية ضد مايسمى بـ (الارهاب) وسواء تمت الضربة قريبا أو تم تأجيلها، فإن مايهمنا هنا أن السجال الدائر حول ذلك في أمريكا لا يأخذ في الاعتبار موقف الدول العربية أو الاسلامية، وأن الرهان هو أن ضرب العراق أو غير العراق لن يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، ولن يزعزع النظم الصديقة لأمريكا، ولن يجعل الرأي العام يثور، ولن يجعل الشارع العربي يتحرك. لكن ذلك كله لا يقارن بما تشهده أرض فلسطين. حيث تجتمع النازية الاسرائيلية مع التواطؤ الأمريكي مع الصمت العربي في مشهد فريد ليعبر عن واقع الحال في المنطقة، وليجعل المستقبل العربي كله موضعا للتساؤل! المشهد الآن يدعو لكل الأسى. اسرائيل تشن حرب إبادة (بكل معنى الكلمة) ضد الشعب الفلسطيني، وشارون - بكل وقاحة - يعلن أن اسرائيل هي ضحية الارهاب، وأن من حقها أن تقاومه، وأن عرفات هو ابن لادن رقم 2، وبالتالي فهو بوش رقم 2، ومنظمات المقاومة الفلسطينية هي نسخة مكررة من تنظيم (القاعدة) والسلطة الفلسطينية هي سلطة تدعم الارهاب، ولذلك لا مكان لها ولا مكان لعرفات. وينتهز السفاح حوادث الانفجار الانتقامية التي شنتها المنظمات الفلسطينية ردا على اعتداءات اسرائيل واغتيالها للقيادات الفلسطينية، ليضع هذا التصور موضع التنفيذ، وليحشد الدعم الخارجي له. ويكون التطور الخطير هنا أن يبصم الرئيس الأمريكي على كل مخططات السفاح الاسرائيلي، ويحيلها إلى سياسة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية ويستقبل الرئيس الأمريكي السفاح الاسرائيلي (وهو مليء بالفخر والشرف كما قال) ويعطيه مباركته على كل مخططاته، ويعلن البيت الأبيض أن من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها، وبالطريقة التي تراها مناسبة. كان هذا بالقطع تصريحا بالقتل والتدمير للشعب الفلسطيني، وقد بدأ شارون في وضعه موضع التنفيذ بتصعيد العدوان وتدمير كل ماتبقى من البنية الاساسية للسلطة الفلسطينية. ورغم بشاعة العدون وفداحة الخطأ الامريكي في دعمه بلا حدود، فإن ماهو أخطر كان اعلان الرئيس بوش أن عرفات لم يعد مفيدا لعملية السلام، وهو ما يعني قرارا بالتخلص من عرفات لا يمكن أن تصدره واشنطن الا اذا كان هناك البديل المناسب من وجهة نظرها. أي البديل الذي يقضي تماما على المقاومة الفلسطينية، ويرضخ للضغوط الأمريكية، ويقبل بتقديم التنازلات المطلوبة، ويوقع على اتفاقات تصفية القضية الفلسطينية. ووسط مشاهد التدمير والقصف الذي استهدف حتى عرفات، ومع خطورة الموقف على الاراضي الفلسطينية، كانت المفاجأة الأكبر هي هذا الصمت الذي ساد في العواصم العربية والاسلامية. وباستثناء بضعة بيانات تشجب وتسنكر كالعادة فقد بدا أن حالة من الشلل تقيد الحركة الرسمية وحالة من الغيبوبة السياسية قد أصابت الشارع العربي. واضطرت القيادة الفلسطينية الى طلب عقد اجتماع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، يعقد غدا بينما يجتمع وزراء الخارجية العرب اليوم ولا أحد يتوقع خطوة على مستوى الحديث. وهناك بالطبع تحركات هامة لبعض العواصم العربية لإنقاذ الموقف المتدهور، ولكنها لا تمثل الرد المطلوب على هذا التحدي بأي حال من الأحوال. وهناك الغضب والثورة الصامتة في الشارع العربي. ولكن التحرك الجماهيري الحقيقي غائب بصورة تدعو للأسى والخجل معا! المواقف الرسمية قد تكون مفهومة بعض الشئ. فالضغوط الأمريكية هائلة وهي تستخدم كل الوسائل. من المعونات حتى التشهير، ومن الرضا السياسي حتى التهديد، ومن تقديم المساعدات التي تحتاجها بعض الحكومات بشدة الى الحصار واثارة الفتن الداخلية. أما بعد افغانستان فالموقف أشد خطورة، والحديث عن الهدف التالي للضربة الأمريكية يجعل الجميع يراجعون حساباتهم، والاتهامات بممارسة الارهاب أو تدعيمه تطارد الآن العرب أجمعين. والموقف الدولي تغير، والرهان على خلافات بين الدول الكبرى يتقلص، والكل يجري وراء مصالحه، ومصالحه مع أمريكا التي تعيد رسم خريطة العالم وتسعى للهيمنة على مقدرات المناطق الاستراتيجية فيه وفي مقدمتها منطقتنا. كل ذلك، مع أزمات داخلية وصراعات عربية - عربية واختلال في موازين القوى لغير صالح العرب. كل ذلك يقيد الحركة الرسمية في العالم العربي، ولكن ماذا عن الرأي العام العربي؟ وأين ذهبت الحيوية في الشارع العربي؟ ولماذا هذا الغياب والشلل اللذان يسيطران على كل شئ؟ وكيف نترك شعب فلسطين وحده وهو يواجه معركة المصير التي لن تقتصر نتائجها ومهما كانت - على فلسطين وحدها، بل ستفتح الأبواب لتغييرات عميقة في العالم العربي كله؟ هل هو اليأس والاحباط؟ هل هو الخوف من مجهول قادم لتصفية الحساب عن سنوات من الطموح الوطني والقومي؟ هل هو ميراث سنوات تحالفت فيها المؤامرات الخارجية مع الجمود الداخلي مع غياب الرؤية وغياب القيادة القادرة على بعث الروح التي غابت وامساك الحلم الذي ضاع؟ قد يكون ذلك كله، وقد يكون تبديد انتصار أكتوبر ثم الانقسامات العربية منذ نهاية السبعينيات والتي تفاقمت بمأساة حرب الخليج الثانية التي مازالت أثارها تسيطر على الحركة العربية. وقد تكون الحرب التي نعيش في ظلها منذ ما يقرب من نصف قرن ضد حركة القومية العربية التي تراها قوى كثيرة محلية واقليمية أكبر الأخطار عليها. قد يكون ذلك كله، ولكن الأحداث الملتهبة في الأرض المحتلة تجعلنا نقف أمام عامل آخر ربما كان الأهم بالنسبة لقضية فلسطين، وهو سلسلة الأخطاء التي ارتكبتها القيادة الفلسطينية والتي نقف جميعا معها الآن في وجه العدوان الهمجي الاسرائيلي والتواطؤ الأمريكي. القيادة الفلسطينية أجهضت الانتفاضة الأولى وكان الثمن اتفاقيات أوسلو الهزيلة بكل آثارها المأساوية، وهي التي راهنت بكل أوراقها على وعود أمريكية لم ولن تتحقق، وقدمت التنازلات المجانية ظنا أنها تكسبها ثقة واشنطن وتخفف من الانحياز الأمريكي لاسرائيل. حتى صدمتها المواقف الأمريكية في كامب ديفيد وحجم التنازلات الاضافية المطلوبة في قضايا لا يستطيع أحد أن يساوم فيها. وفي الوقت الذي استجاب الشارع الفلسطيني لموقفها في كامب ديفيد، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية لم تستطع القيادة الفلسطينية التعامل بوعي مع معجزة الانتفاضة، ولم تستثمر المناخ الجديد في العالم العربي الذي دبت فيه الحياة، ولم تمسك بزمام المبادأة لتضع القضية من جديد إلى حيث يجب أن تكون: قضية استقلال لابد أن يتحقق، وأرض لابد أن تتحرر، واحتلال ينبغي أن يرحل عن كل شبر من الأرض المحتلة لتقوم دولة فلسطين وعاصمتها القدس العربية كاملة غير منقوصة. غابت الإدارة السياسية الواعية، فكانت النتيجة أن كل تضحيات وعذابات الشعب الفلسطيني تضيع هباء، والسفاح شارون يفرض شروطه، والضحية أصبحت هي المتهم بالارهاب، وكل المعروض الآن أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة لتبدأ مفاوضات لا يعرف أحد متى تنتهي، وبشرط القضاء على منظمات المقاومة التي أصبحت - بفضل أمريكا - منظمات ارهابية!! والأخطر هنا، أن ذلك كله انعكس على الشارع العربي الذي لم يفهم كيف يقيم شارون المذابح للشعب الفلسطيني، بينما الرئيس عرفات يحرص على تهنئته بالأعياد، ويواصل اجتماعاته بإبنه وغيره من الوسطاء والمبعوثين الذين يقدمون كشوف المطلوب اعتقالهم أو تصفيتهم من قيادات المقاومة! والشارع العربي الذي انتفض مع ثورة الأقصى له العذر حين لا يفهم تصريحات قيادات فلسطينية بارزة ضد الانتفاضة، ولا يتصور رفض اقامة جبهة وطنية تقود النضال الفلسطيني في هذه المرحلة ولا يعرف كيف فرضت الانتفاضة - على المستوى الشعبي - قيادتها الموحدة، ولم تفرضها على المستوى الرسمي. والنتيجة لكل ذلك أن اسرائيل تواصل حرب الابادة بدعم أمريكي كامل، وواشنطن تثبت لنفسها وللآخرين أن رهانها كان صحيحا على أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء دون خشية من رد فعل عربي غاضب، وهو أمر - لو استقر - فلن تكون فلسطين الا بداية، ولن يكون العراق الا رقما في الطريق الذي تسير فيه واشنطن من أجل اخضاع الوطن العربي بكامله. ورهانهم أن العروبة خرافة، وأن الشارع العربي في غيبوبة الموت. ورهاننا أنها حالة غياب عارضة سوف تجتازها الأمة مهما كانت الصعاب. رهانهم أن الاشقاء في فلسطين المحتلة سيتقاتلون، وأن مالم تستطع دبابات شارون وطائراته أن تحققه. سيحققه صراع الاخوة على جسد الانتفاضة. ورهاننا أن الشعب الصامد في فلسطين سيفرض الوحدة على الجميع، وأن وحدته ستكون الدرع الذي يحمي المقاومة ويفرض على العالم كله شرعيتها ومشروعيتها في وجه الاحتلال النازي المدعوم من أمريكا. ورهانهم أن العالم العربي سيظل رهين العجز حتى تنتهي الولايات المتحدة من وضع خريطتها الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ. ورهاننا أن فلسطين المجاهدة لن تنعزل أبدا عن عالمها العربي، وأن حالة الغياب العربية ستتحول إلى رسائل غضب تقول أن الفلسطينيين لن يكونوا وحدهم، والقدس لن تظل في الأسر طويلا، والعراق لن يتحول الى افغانستان أخرى، والعرب لن يكونوا أمة خارج التاريخ. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم»