لو كان التفكير الاستراتيجي في ذهنية الرئيس عرفات طاغيا على البراعة السياسية لكان اسلوب تعامله مع ارييل شارون مختلفا تماماً، فالرئيس عرفات، مستخدما اسلوب الكر والفر، يتعامل مع شارون كما لو كان الاخير سياسيا يعتنق مبدأ المساومة والعطاء مقابل الأخذ، بينما شارون شخصية احادية الفكر تتبنى ايديولوجية حادة مبنية على رؤية دينية متعصبة لا تقبل بأقل من ان ترى الخصم جثة هامدة، فهل تتغير ذهنية الرئيس الفلسطيني ازاء الزعامة الشارونية؟ عندما يضيق عرفات ذرعا بتوالي المواقف المتصلبة للجنرال شارون المحصورة عمدا داخل اطار امني والمدعومة دائما بتدابير عسكرية هجومية، فإنه يقول للعالم ان شارون ليس لديه خطة للتسوية مع الطرف الفلسطيني غير ان ما يبدو ظاهريا وكأن شارون بلا خطة محددة ليس إلا خداعا بصريا، والاصوب ان يقال ان لدى الزعيم اليميني اليهودي رؤية ايديولوجية محددة يمكن ان تنبثق عنها خطة عملية في اي وقت عندما ينجح شارون اخيرا ـ اذا نجح ـ في تحقيق انتصار نهائي لرؤيته بفرضها فرضا على الطرف الآخر. «قضية وجود.. لا حدود».. هذه هي الرؤية الثابتة لليمين الاسرائيلي التي يعبر عنها الجنرال ارييل شارون: ومؤدى هذه الرؤية هو ان ما بين الشعب اليهودي والشعب الفلسطيني ليس مجرد نزاع على اراضٍ يمكن ان يكون قابلا للتسوية بموجب مباديء القانون الدولي والوساطات السياسية الدولية، وانما هو صراع من أجل الوجود.. صراع حياة او موت. وفقا لرؤية اليمين الاسرائيلي ليس من المتصور اطلاقا ان يتعايش الشعبان اليهودي والفلسطيني متجاورين على اساس التكافؤ والمساواة، وبالتالي السلام. الشعب الفلسطيني من منظور اليمين الاسرائيلي رأس حربة لامة المسلمين، وكما يرى فقهاء المسلمين ان الدنيا لن تنتهي قبل وقوع منازلة فاصلة ونهائية بين المسلمين واليهود تنتهي حتميا بانتصار المسلمين والاسلام، فإن قضية الصراع الراهنة في رؤية اليمين الاسرائيلي تقوم في الحقيقة على صراع بين عقيدتين وينتهي الى صدام تاريخي حتمي. تأسيسا على هذه الرؤية من المنظور اليهودي، فإن اي تسوية سياسية للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني لن تكون ذات جدوى لليهود، طالما انها تعطي الشعب الفلسطيني حق الحياة بطريقة او اخرى. من هنا ندرك لماذا يتصلب شارون وندرك ما يصدر عنه من حين لآخر من عبارات تحمل معنى الكفر بأسلوب المفاوضات، فكيف يكون هناك تفاوض بين طرفين وطّد كل منهما نفسه على افناء الآخر، عاجلاً أم آجلاً. ما يطلبه شارون من الشعب الفلسطيني ليس اذن اقل من استسلام كامل، سلما او حربا. صحيح ان شارون قال وكرر انه لا يعارض قيام «دولة» فلسطينية لكن مواصفاته التفصيلية لهذه الدولة، تجعل منها كيانا خاضعا للسيادة الاسرائيلية في كل منحى من مناحيها السياسية والاقتصادية والعسكرية. المطلوب اذن من الرئيس عرفات هو ان يتبنى قناعة ايديولوجية مناظرة لرؤية اليمين الاسرائيلي، والا فإنه سوف يظل يحرث في بحر المناورات السياسية غير المجدية. على عرفات ان يقتنع بأن ما بينه وبين الاسرائيليين صراع وجود.. لا مجرد صراع حدود، ولو فعل ذلك لانتفى تلقائيا اي تناقض بينه وبين قادة ومنظمات المقاومة الفلسطينية التي تتحمل الان عبء كفاح مسلح. وليستذكر عرفات ان اليمين الاسرائيلي لن يكتفي بالدولة الفلسطينية الشكلية الخاضعة لاسرائيل.. تلك لن تكون سوى تمهيد لمشروع «الحل الاردني».. اي ترحيل الشعب الفلسطيني قسراً من الضفة الغربية وغزة الى الاردن «موطنهم الاصلي». ولو استذكر عرفات ذلك فإنه سوف يستذكر تلقائيا ان صاحب هذا المشروع الشرير هو ارييل شارون.