لابد من الاعتراف بان رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون نجح في وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في مأزق حقيقي، لعله الاخطر منذ انهيار العملية السلمية خريف العام الماضي. واذا كان صاحب التاريخ الارهابي الحافل استغل عمليات التفجير الاخيرة التي نفذتها منظمات المقاومة الفلسطينية في القدس وحيفا ومستوطنات اسرائيلية عدة، لاحكام الطوق حول سلطة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تمهيدا للتخلص منها نهائيا، لكنه مهد لكل ذلك بخلق الاجواء الملائمة بعدما وجه كامل جهوده نحو هذا الهدف فور تسلمه السلطة مطلع العام الحالي، مستفيدا من الانحياز الذي ابدته الادارة الامريكية في تأييدها الاعمى لاسرائيل، حتى قبل وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي ضد الولايات المتحدة. وفي اعتقاد شارون ان السلطة الفلسطينية هي ثمرة غلطة كبرى تمثلت باتفاق اوسلو، ووجودها يمهد للاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ولقيام دولة فلسطينية، حتى ولو لم تكن مكتملة السيادة وتفتقر الى مقومات الدولة الحقيقية المستقلة ولانه يرفض مثل هذه النتيجة، سواء على المدى القريب او البعيد، فقد وضع نصب عينيه هدفا محددا هو اسقاط اي سلطة تمثل الشعب الفلسطيني وتتيح له التعبير عن ذاته بوسائله وشروطه الخاصة. استفزاز متعمد والتكتيك الذي اعتمده شارون لبلوغ هدفه هو استفزاز الشعب الفلسطيني والتضييق عليه من خلال سلسلة طويلة من الاجراءات العسكرية والاقتصادية فرضتها قوات الاحتلال الاسرائيلي واستهدفت المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، كليا او جزئيا، كما استهدفت تنظيمات المقاومة وناشطيها وطلائع الشعب الفلسطيني وكل ذلك تحت شعار «حماية امن اسرائيل». كان شارون يدرك تماما ان عمليات الاستفزاز المتعمدة التي ترتكبها قوات الاحلال ضد الشعب الفلسطيني بمؤسساته وافراده، ستواجه بردود فعل شعبية فلسطينية عنيفة تشبه تلك التي واجهته لدى اقتحامه باحة المسجد الاقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000 مما يعزز ذريعته حول وجود تهديد للامن الاسرائيلي مصدره مناطق السلطة الفلسطينية. وقد بدأ الارهابي المتمرس يلعب هذه اللعبة المكشوفة منذ انتخابه رئيسا لحكومة اسرائيل في مارس الماضي، في الوقت الذي كانت العملية السلمية قد انهارت تماما، وترافق ذلك مع زيادة الاجراءات الضاغطة ضد الشعب الفلسطيني الامر الذي ادى الى تصاعد مستمر في المواجهات بين الطرفين، تم تحول رد الفعل الجماعي الفلسطيني الى انتفاضة شعبية عامة. وفي الوقت الذي كانت العمليات الارهابية التي تنفذها قوات الاحتلال الاسرائيلي تستهدف ناشطي الانتفاضة ورموزها وقادة المنظمات الفلسطينية كلها، كانت حكومة شارون تركز حملتها السياسية والاعلامية، ليس على المنظمات المعنية فحسب بل على السلطة الفلسطينية وقيادتها الرسمية بالذات زاعمة ان السلطة تقف وراء كل اعمال العنف الموجهة ضد قواتها. الدور الامريكي وهنا يبرز الدور السلبي المتحيز للادارة الامريكية التي تبنت الادعاءات الاسرائيلية تماما ودأبت على تحميل الجانب الفلسطيني المسئولية الكاملة مطالبة السلطة الفلسطينية بوضع حد لاعمال العنف التي تهدد في نظرها الامن الاسرائيلي، وفقا لادعاءات شارون وحكومته. وتبعا لذلك رفض الرئيس الامريكي جورج بوش استقبال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على الرغم من الوساطات والمحاولات التي بذلتها معظم الحكومات العربية في هذا الشأن وبالتالي فقد عجزت السلطة الفلسطينية عن توضيح موقفها للادارة الامريكية في حين حل رئيس الحكومة الاسرائيلية ضيفا مكرما على البيت الابيض ثلاث مرات، حيث جرى اعلان تأييد الموقف الرسمي الاسرائيلي مرة بعد اخرى. كذلك حالت الادارة الامريكية دون اتخاذ مجلس الامن الدولي قرارا بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني سواء عبر ارسال قوات دولية تفصل بين الطرفين وتمنع قوات الاحتلال الاسرائيلي من مواصلة اعتداءاتها اليومية على هذا الشعب المقاوم، او من خلال الاستعانة بمراقبين دوليين تكون مهمتهم تحديد الطرف الذي يخرق التفاهمات القائمة ويتسبب في افساد المحاولات الرامية الى استئناف العملية السلمية، او يهدد سلام المنطقة. ويرى المحللون انه كان في الامكان وضع حد لعملية التصعيد المتبادلة لو سمحت الادارة الامريكية بارسال مراقبين او قوات دولية الى المنطقة وبالتالي، كان في المستطاع استئناف العملية السلمية من دون مواجهة اشكالات كبيرة في ما يتعلق بالظروف الامنية السائدة، لو كانت ثمة رغبة حقيقية وجدية في وضع الوعود الامريكية التي تتحدث عن دولة فلسطينية مستقلة وسلام في المنطقة، موضع التنفيذ. فقد ثبت حتى الان ان الشرط الذي وضعته اسرائيل، وتبنته ادارة بوش، بفرض فترة اسبوع كامل من الهدوء التام في المناطق الفلسطينية المحتلة هو شرط تعجيزي ولا يمكن تجاوزه للوصول الى مفاوضات سياسية، او حتى امنية، ذات معنى. ذلك ان حكومة شارون هي نفسها التي تمارس الاعتداءات واعمال الارهاب المتواصلة ضد الفلسطينيين، ولاتعدو ردود الفعل الفلسطينية ان تكون سوى نوع من الدفاع المشروع عن النفس. مزيد من الشكوك ان ردود الفعل الامريكية على العمليات الفلسطينية الاخيرة، التي جاءت في اعقاب سلسلة طويلة من الاعتداءات والضغوط الاسرائيلية المتعمدة، ضاعفت الشكوك في جدوى الركون الى موقف حيادي نزيه تعتمده الادارة الامريكية لمنع انفجار الوضع في المنطقة. لابل ان بعض المراقبين رأى في الموقف الامريكي الرسمي دعوة واضحة لاسرائيل لمواصلة سياستها العدوانية، تحت ذريعة مكافحة الارهاب، برغم المخاطر التي تعكسها هذه الدعوة على سلام المنطقة. فقد اعتبر البيت الابيض ان اسرائيل «تدافع عن نفسها» في كل اعمال القتل والتدمير التي تمارسها دون هوادة ضد المناطق الفلسطينية، في حين تطلب من القيادة الفلسطينية الامتثال الكامل لارادة الحكومة الشارونية. والاستنتاج الذي يمكن الخروج به من كل هذه التداعيات هو ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في ما يقوله شارون من ان «عرفات هو العقبة الكبرى في طريق السلام والاستقرار في الشرق الاوسط»، بل في موقف الادارة الامريكية الذي يحاول ان يعطي لهذا الكلام مصداقية من خلال تبنيه واعادة ترويجه، على رغم ما يحمله من تزييف للحقائق والوقائع. وبذلك تصبح الاخطار التي تتهدد منطقة الشرق الاوسط برمتها مسئولية امريكية ـ اسرائيلية مشتركة، كما يصبح الكلام عن مكافحة الارهاب مجرد ذريعة لتحقيق اهداف اخرى لا علاقة لها لا بأمن الشعوب وسلامتها، ولا بأية قضية عادلة. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا