لا نستطيع من أسمائنا فكاكاً، فهي أجسادنا وظلالنا، وحكاياتنا وذكرياتنا، مثلما هي عناويننا إلى الآخرين، لا يقصد بالكلام ادعاء بابتكار أو بدعة جديدة، فكل ما في الأمر ان صدفة أثارت لديّ التداعيات وجذبتني نحو محاولة اكتشاف جديدة لمعاني الأسماء وكنهها. كنا في سيارة تقلّنا ذات أمسية فيما صوت فيروز يشدو من شعر جوزف حرب بانسيابية عذبة عبر أثير المذياع: «أسامينا.. شو تعبوا أهالينا تلاقوها.. وشو افتكروا فينا الأسامي كلام.. شو خصّ الكلام.. عينينا هنّي أسامينا». استغرقت لبرهة من الزمن في تلك الجمل البسيطة، كأنني نهضت من غفوة طويلة، أو كأن كل تلك السنين التي مرت لم تنبهني مرة لمغزى الأسماء وكيف التصقت بنا منذ ولدتنا أمهاتنا، وصارت ملازمة لنا مثل الثياب. وكم هو جميل هذا الربط بين أسمائنا وتعب الأهل في اختيارها، وكم هو جميل أيضاً القول ان الأسماء تبقى مجرد كلمات إذا لم تتجسد فينا، وفي كل تفاصيلنا. وفور انتهاء الأغنية رماني صديقي بسؤال غريب فأذهلني.. قال: «ماذا لو كنا بلا أسماء، أفلا يكون صعباً في هذه الحال تفريقنا عن أشياء المنازل والقطع المهملة تحكمنا لعنة الصمت والضياع؟ لست أنكر أن سؤال الصديق الغرائبي هذا، قد أعادني إلى فطرتي، وجعلني أفكّر بأمري كما لو انني كنت السائل، ولم يخطر ببالي لحظة ان أتوقف أمام نفسي وأسأل ماذا لو لم يكن لي اسم يعرفني من خلاله الآخرون؟ تلك الأمسية امتلأت بجدال وفوضى، وكلام لا ينتهي .. وكانت الأسماء والمسميات والألقاب موضع اجتهاد من أصدقاء آخرين انضموا إلينا تباعاً، أما أنا فلا أزال على حيرتي من دون جواب مطمئن، غير ان سؤال الصديق ظل يستدرجني إلى أسئلة مع نفسي، كلما ناديت أحداً، وكلما تناهى إليّ موت شخص أو ولادة آخر. بدا لي الأمر كما لو انه معضلة وجودية، أوليست الأسماء هي نحن؟ هويتنا التي نُعرف بها، وجواز سفرنا في الحياة يعترف بواسطته الآخرون بنا، ومن دون هويتنا وجواز سفرنا لا يتأكد وجودنا على هذه البسيطة. أسماؤنا علّة وجودنا، فهي إذن نعمة السماء علينا، بعضنا يغلبه اسمه، فتحلّ عليه لعنة، وبعضنا يمنحه الاسم الذي يحمل الأمان والرضا، فتتنزل عليه نعمة.. هذا شأننا منذ آدم الأول وحتى الانسان الأخير. والاسم عين اللغة، به ترى وتسمع وتتكلم، تمتلئ به ويمتلئ بها كأنهما من نبت واحد والمصدر الأصل. وليس غريبا على أهلنا العرب إذ أولوا عناية فائقة بالأسماء والكنى والألقاب فكانوا يسمون أولادهم بأسماء تدل على البأس والقوة، ومن عاداتهم تكنية الابن باسم الأب توقيراً أو تعظيماً. وقالت العرب في تأويلها: «ان الاسم لفظ يوضع لذات بقصد تمييزها عمّن سواها عند ذكره من غير حاجة إلى الاشارة إليه» أما حكماؤها فأكدوا ذات زمان: «ان من حق الولد على والده ان يختار له أمّاً كريمة، ويسميه اسماً حسناً، ويعلّمه القراءة والكتابة». والآباء يرون إلى الاسم حلماً يحققون عن طريقه تصوّرات ذهنية وأحلاماً يرغبون في تحقيقها، وبالنتيجة ربما ينطبق الاسم على المسمى أو لا ينطبق، وربّما حقق ما دار في خلد الوالدين عند اطلاقه أو لم يحقق، وكثيراً ما تخيب الآمال بـ «المسمّى» ويتمنى «المسمي» لو انه لم يسمّه الاسم، كأن يطلق عليه «وديع» ويكون شرساً و عدوانياً، أو «كريم» فيكون بخيلاً. عشية الحدث المنتظر، أو قبله بزمن، تنشغل العائلة بعملية اختيار الاسم للمولود العتيد، ويصير محطّ مراهنات الأم والأب، وغالباً ما تكون تسمية المولود البكر تيمناً باسم جدّه لأبيه، فيما تتنوّع جذور وأصول ودوافع التسميات، منها ما يكون تيمّناً بذكرى الأولياء والأنبياء والقدّيسين، والزعماء والقادة التاريخيين والمعاصرين، وبينها من يرتبط بأسماء الكائنات الطبيعية والحيوانات، مثل: الكواكب والأشجار والأزهار والأسود والغزلان. والأسماء التي يتداولها الناس ويتناقلونها بالتواتر، تحمل في طيّاتها معاني تحبل بالشيء ونقيضه في آن، وإذا كان الكثيرون يتخفون خلف أسماء مستعارة، فإنما هم بذلك يرغبون في حجب «هالة» الاسم الأصلي والحقيقي عن دائرة الضوء، وغالباً ما تكون الأسباب منطلقة من ظروف خاصة أو لدواع اجتماعية بحتة. فقد شاعت الأسماء المستعارة في صفوف المعارضين السياسيين والفنانين والكتاب، وبينما استخدم الأدباء أسماء مستعارة لأسباب تتعلق بالعقيدة والمبادئ، كان الفنانون يستخدمونها لاعتبارات شتى منها ما يتعلق بجمالية الاسم وحروفه ووقعه الموسيقيّ. أما في زمن الحروب فكل الأسماء مرت من هنا وهناك ودوّن المحاربون بطولاتهم على جدران المدن وصخور الجبال، أما ألقابهم فتناثرت على القمصان وألفتها الآذان، فيما كان كثيرون يُحسبون أعداء لمجرد انهم يحملون هذا الاسم أو ذاك، وصاروا ضحايا لأسمائهم وهوياتهم. البشر يولدون ويرحلون، والذين تُخلد أسماؤهم ويبقون في الذاكرة هم من يهبون الحياة من أجل ان تنتصر الحياة. email:ismail-haidar@yahoo.com