ماذا يعني الاتفاق «التاريخي» الافغاني الذي جرى التوقيع عليه الاسبوع الماضي في بون؟ هل هو قسمة سلطة بين فصائل افغانية ام اقتسام نفوذ بين قوى خارجية، وتحديدا روسيا وايران من جانب والولايات المتحدة من الجانب الآخر؟ وأياً كان الحال هل يمكن ان يعتبر الاتفاق علامة فارقة لنهاية مرحلة صراع دموي وفوضى شاملة في افغانستان وبداية مرحلة جديدة من الاستقرار والوئام؟ لنستذكر اولا الحقيقة الثابتة العظمى وهي ان الاستقطاب السياسي في ساحة الصراع الافغاني كان دائما وسوف يظل كذلك الى ما شاء الله خيال مرآة للانتماءات العرقية. وعلى هذا الاساس فإن الفصل الاخير في الاقتتال الافغاني ابتداء من عام 1994 حين انتزعت حركة طالبان السلطة المركزية وحتى الاسبوع الثاني من نوفمبر المنصرم حين اقتحمت قوات «جبهة التحالف الشمالي» العاصمة كابول وطردت قوات طالبان كان صراعا عرقيا صرفا بين القومية العرقية الكبرى ـ البشتون ـ التي تمثل بقبائلها المتعددة اكثر من نصف سكان البلاد وائتلاف بين ثلاث اقليات عرقية ـ الطاجيك والاوزبك والهزارا. ولنستذكر ثانيا ان نفوذ القوى الاقليمية التقليدية المحيطة بأفغانستان كان موزعا على هذا المنوال: باكستان وراء قومية البشتون كما كانت تمثلها حركة طالبان، وروسيا «ومعها دول آسيا الوسطى الخاضعة لها، طاجيكستان وأوزبكستان وتركمنستان» وايران وراء تحالف الاقليات الثلاثي الذي صار يعرف باسم «جبهة التحالف الشمالي». لكن مع انعقاد مؤتمر بون التصالحي كانت المعادلة السياسية الاقليمية قد اختلت لغير صالح قومية البشتون بدخول الولايات المتحدة على الخط الافغاني في اعقاب احداث 11 سبتمبر الدامية في الاراضي الامريكية وما تبعها من حملة «مكافحة الارهاب العالمي» فتحت الضغط الامريكي سحبت باكستان دعمها التقليدي للبشتون كما كانت تمثلهم طالبان، وبينما لم يزدد الدعم الاستراتيجي الثابت من روسيا وايران لتحالف الشمال إلا قوة تشرذمت قبائل البشتون في غياب تنظيم طليعي مركزي يوحدهم بعد اندحار تنظيم طالبان. كان التمثيل الفصائلي في مؤتمر بون انعكاساً لخلل المعادلة الاقليمية لغير صالح قومية البشتون التي تمثل اغلبية الشعب الافغاني، وبالتالي كانت نتائجه كذلك بطبيعة الحال. فالتركيبة الوزارية للحكومة الانتقالية التي تضمنها «الاتفاق التاريخي» للمؤتمر غلبة السيطرة العسكرية الميدانية لتحالف الشمال المستمدة من غلبة نفوذ داعميه الاقليميين، وتضاؤل النفوذ البشتوني بعد انسحاب الحليف الباكستاني وانهيار نظام طالبان. لقد احتفظ تحالف الشمال لنفسه بالحقائب الوزارية المفتاحية ـ الداخلية والخارجية والدفاع التي سوف تمكنه من تشديد قبضته على جهاز الحكم ومع هذه السيطرة المحكمة فإن منصب رئيس الوزراء الذي منح للبشتون لن يكون سوى منصب احتفالي بلا سلطة حقيقية. لكن تلزمنا وقفة قصيرة هنا. فرئيس الوزراء الجديد حامد قراضاي امريكي النزعة فكيف قبلت الولايات المتحدة بأن يكون رجلها رئيسا شكليا لحكومة افغانية تعمل وفقا لأجندة نفوذ خارجي؟ لنستذكر ان الولايات المتحدة منذ اندحار الوجود السوفييتي في افغانستان عند مطلع عقد التسعينيات لم تعد لاعبا رئيسيا في المسرح الافغاني. فهي القوة الخارجية الوحيدة في مسرح الصراع المحلي التي ليس لديها فصيل افغاني يعمل وفق ارادتها. لكن يبدو الآن ان الصراع حول افغانستان يدخل مرحلة جديدة محورها التنافس بين الولايات المتحدة من ناحية وروسيا من ناحية اخرى حول المستقبل الافغاني. وتلك قصة اخرى.