شاع مصطلح «العرب الأفغان» في الخطاب الإعلامي العربي والعالمي، لوصف غير الأفغان المقيمين في أفغانستان منذ أن كانت مسرحا لعمليات مقاومة ضد الاحتلال السوفييتي. وينبغي الانتباه ابتداء إلى أن هذه الفئة تضم جنسيات عديدة غير عربية، وقصر الاصطلاح على العرب دون غيرهم وراءه دون شك أهداف سياسية، ربما كان في مقدمتها الإيحاء بأن هؤلاء «ظاهرة عربية» يمكن أن تتحول إلى تهديد لأمن الدول العربية. وهؤلاء المقاتلون شاركوا في عمليات المقاومة المسلحة التي بدأت في مناخ دولي داعم لحركة المقاومة الأفغانية، التي كانت بغير شك حركة تحرير وطني ضد احتلال أجنبي يتمتع عملها بمشروعية أخلاقية وسياسية لا غبار عليها. ومن قبيل خلط الأوراق والافتئات على التاريخ إهالة التراب على هذه المقاومة بسبب انحراف قادتها عن المسار الصحيح، فتصحيح أخطاء الواقع لا يبرر الافتئات على الماضي. وقد تشابكت أوراق الملف الأفغاني، مبكرا، مع أوراق ملفات أخرى شائكة محليا وإقليميا، ولعبت حالة غياب الاستقرار التي عاشتها أفغانستان لسنوات دورا كبيرا في تحويل أفغانستان إلى مركز لنشاط تنظيمات إسلامية أصولية مسلحة أخرى، كما وفرت مناخا ملائما لتحول هذه الفئة، التي قضت سنوات تمارس العمل العسكري، من جزء من عملية ذات هدف محدد وعدو واضح، إلى قنابل موقوتة تأجل انفجارها بسبب تمكنها من الكمون في أفغانستان التي كانت ظروفها السياسية المضطربة وطبيعتها الجغرافية القاسية توفران لهم فرصة للبقاء. ومع أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها التي جعلت أفغانستان مسرحا لعمل عسكري ضخم لم يكن ليقف عند حدود القضاء على تنظيم «القاعدة» أو تقويض حكم حركة طالبان، صار ملف «العرب الأفغان» ذا أهمية متزايدة. وما يبدو من مسار الأحداث خلال الفترة الماضية أن ثمة اتجاها للتعامل مع العرب الأفغان بمنطق «الاستئصال» ، يشير إلى ذلك سلوك قوات «التحالف الشمالي» في المناطق التي استولى عليها، إذ ارتكبت هذه القوات جرائم قتل جماعي استهدفت غير الأفغان وفي مقدمتهم العرب الأفغان، وكانت جرائمهم مثار استنكار بعض الدوائر في الغرب نفسه. كما توجد شواهد كثيرة تؤكد أن الولايات المتحدة سوف تتستر على جريمة ذبح العرب الأفغان دون أن تتوفر لهم فرصة محاكمة عادلة، وفق أي قانون أفغاني أو غير أفغاني، ودون أن تشكل لهم حتى محكمة دولية خاصة. وتغليب منطق الاستئصال بحق هذه الفئة يعني الاستمرار في معالجة الخطأ بخطأ ليصبح الملف الأفغاني سلسلة ممتدة من الأخطاء يؤدي بعضها إلى بعض، فحق الإنسان في محاكمة عادلة تحتمه الاعتبارات الأخلاقية قبل أن تفرضه المواثيق الدولية. وتجاهل هذا الحق يعني أن غبار الحرب حجب مقتضيات العدالة التي توجب على الدول ألا تتصرف كالتنظيمات السرية وتستبيح دماء خصومها لمجرد أنهم خصوم، وإذا كان درس 11 سبتمبر قد فرض على المجتمع الأمريكي أسئلة كثيرة من نوع: لماذا يكرهنا العالم ؟ فينبغي الاستفادة من الدرس بوقف الممارسات السياسية التي تبذر في نفوس الآخرين بذورا تسبب كراهية الولايات المتحدة. ومن أراد أن ينعم بالأمن فعليه أن يبحث عنه بتحري العدالة، فهو ليس مرهونا بالقوة، أو القدرة على التخلص من الخصوم. فضلا عن أن منطق الاستئصال تمت تجربته ضد جماعات إسلامية أصولية متطرفة في أماكن أخرى من العالم وكانت ثمرته شديدة المرارة، ومازالت الجزائر بعد ما يقرب من عقد من الحرب الشرسة مع بعض هذه الجماعات عاجزة عن تحقيق الأمن. وقد يكون من الضروري تقديم أدلة عملية على أن الخروج عن القانون تتم مواجهته بالالتزام بالقانون، فمن عرف منهم مسبقا أن مصيره هو في كل الأحوال القتل دون محاكمة، مذنبا كان أو بريئا، فسيقرر بالضرورة الحرب حتى الموت. ما يعني أن أجيالا ستنشأ على مفردات: الثأر، والعداء، والانتقام، والقتال حتى الموت، وهذه الروح - سواء سميناها انتحارية أو استشهادية - تغذي روافد: التطرف، ومعاداة العالم، والارتماء في أحضان العنف، كلغة وحيدة يفهمها الآخر. وربما كان الأفضل أن تكون هناك مبادرة عربية في هذا الشأن تضمن لهم محاكمة عادلة في بلادهم، فقسم كبير منهم خرج من بلده منذ سنوات في إطار نوع من السماح الضمني كانت تفرضه الظروف آنذاك، كما أن تحولهم إلى مطاردين يائسين يبحثون عن مأوى يمكن أن يعرض أمن بلدانهم لمخاطر جسيمة، إذا أمكن اختراق تنظيماتهم واستخدامهم في أعمال عدائية ضد بلادهم، وهو أمر وارد وله سوابق، فضلا عن أنهم يملكون القدرة التنظيمية التي تمكنهم من ذلك، فمثل هذه المبادرة تفرضها اعتبارات أخلاقية ونفعية في آن واحد. وما يستفاد من تجربة السنوات القليلة الماضية في ملف جماعات العنف الأصولية استيعابهم في إطار وطني داخل بلادهم ضرورة عربية ملحة، فاستبعادهم سياسيا أدخل عدة أقطار عربية في دوامة عنف سياسي أضر الأطراف كافة، ومعالجة قضيتهم معالجة أمنية محض يعقد المشكلة ولا يحلها. ومن الخطورة بمكان دفن الرؤوس في الرمال وتجاهل المصير الفادح الذي يواجهونه، والتصرف باعتبار أن الأزمة «هناك» بعيدا عن الحدود. فالملف الأفغاني أصبح أقرب مما يظن كثيرون، وهو لم يغلق بعد، وفي القلب منه ملف «العرب الأفغان». ـ كاتب مصري