من المقولات الرائجة في فقه النظم السياسية أن مجالات العمل العام في معظم دول الجنوب المتخلف لا تفتقر للأطر الدستورية والقانونية والادارية العاطفة نظريا على الفكر الديمقراطي وتعبيراته الاجرائية. لكن النخب الحاكمة هناك تبتعد في الممارسة عن هذه الأطر بمسافة فلكية. ويشكل هذا الادعاء واحدا من أشهر مستندات دعوى تميز النظم الغربية بعامة، كونها بنظر فقهاء الديمقراطية، لا تقوم على المخادعة ولا تميز بين النظرية والنصوص وبين التطبيق والممارسة. لقد سخر هؤلاء الفقهاء مطولا من الممانعة التي تبديها النظم السلطوية والعسكرية العالمثالثية تجاه الأخذ بالديمقراطية الغربية، على الرغم من استلهام حكام هذه النظم للمثل الغربية وإظهار اعجابهم بها.. والدليل على هذه الازدواجية أن كثيرا من أولئك الحكام، تلقوا تعليمهم وتعرفوا على أصول الحداثة السياسية وغير السياسية في عالم الغرب.. فلما عادوا الى بلادهم وصعدوا الى سدات الحكم، نبذوا معرفتهم ظهريا واجترحوا لأنفسهم أنماطا شديدة الانحياز للديكتاتورية. مبعث السخرية والدهشة في هذا السياق، قناعة أنصار الديمقراطية الغربية ومنظريها بأنها تمثل ذروة التطور الانساني في تقعيد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وانطلاقا من هذه القناعة، فإن هؤلاء السادة لا يرون أي مجال للزعم بأن ثمة منظومة حضارية ـ اجتماعية أخرى بوسعها إبداع نظرية مغايرة لنظريتهم أو لمفهومهم للعملية السياسية. بهذا المنظور الأحادي الجانب حرم فقهاء الديمقراطية الغربية أنفسهم من التفكير في الاحتمالات الأخرى أو البدائل التي يمكن أن تشتقها التجارب الانسانية الرحبة، ولو أنهم فعلوا ذلك، لربما أضافوا لنموذجهم مزايا غفلوا عنها في حمأة التعصب لمنظومتهم الحضارية. لقد لاذت الديمقراطيات الغربية العريقة، والمعيارية باجراءات تنتمي الى ما يعرف في دول الجنوب بقوانين الطوارئ، وأصبح من المعروف الآن أن هذه الاجراءات قد جبت في طريقها عددا كبيرا من الحقوق الديمقراطية للأفراد والجماعات والتنظيمات، وذلك على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وبالنسبة للنظام الأمريكي بالتحديد، تكون ما يشبه الاجماع على أن الضرورات تبيح المحظورات.. ونتج عن هذه الحالة مجموعة من السلوكيات التي لا ينبغي لفقهاء الديمقراطية بعامة التسامح بشأنها. رأينا نظاما يشير بأصابع الاتهام الى مؤامرات خارجية تستهدف مجده الاقتصادي والاجتماعي.. والحضاري عموما.. وهذا هو المشجب التقليدي الذي تعلقه عليه نظم جمهوريات الموز خيباتها، قبل أن تتحسن أحوالها وتصرفاتها الداخلية والخارجية. ورأينا نظاما يضع يده على قوته العسكرية ويمتطيها، قبل أن يعمل التفكير في مفردات الأحداث، وبلا أي إمعان أو تأمل في الزوايا القانونية والجنائية.. وهذه هي معالم المعالجات السطحية الهوجاء التي لا تنتمي لزعم العقلانية والتدبر الموضوعي، الذي طال تسويقه وحصره في عالم الغرب الديمقراطي. أيضا سمعنا زعامات تطلق نداءات لإحياء نزعات واحيانا تقترب من فكرة صدام الحضارات وتداعب خيالات المتعصبين وغلاة الداعين الى تفوق الغرب على كل من عداه.. وهذه الزعامات نفسها أعلنت بلا مواربة أن من ليس معنا فهو ضدنا.. وهذا ينفي قضية الخيارات الثالثة أو الرابعة ويدحض مفهوم التعددية الذي يقع في صلب الفكر الديمقراطي نظريا. وفي خلفية هذه المشاهد، وقعنا على رأي عام غربي، لا يتورع شطر واسع منه عن إتيان الأفعال الشائنة، التي ينكرها الديمقراطيون في تصرفات الشعوب الموسومة بالممارسات القبلية الشوفينية. فقد تعرض أمريكيون لأمريكيين، مثلا، بالأفعال الفاحشة، بناء على التباينات الظاهرة في الهويات الأصلية، قوميا أو دينيا، أو جغرافيا.. لطالما استنكر فقه الديمقراطية الغربية تصرفات مواطني الدول المتخلفة الذين يسارعون بالاصطفاف خلف انتماءاتهم الأولية عند الأزمات، ومبعث هذا الموقف الاستنكاري هو أن المواطنة في الديمقراطيات الحقيقية تعلو على ما عداها من انتماءات، وتؤدي الى خضوع الجميع لسلطان القانون والنظام على قاعدة من المساواة الكاملة. لكن الذي حدث بعد 11 سبتمبر بين يدي هذه الديمقراطيات يكاد يحاكي ما يجري في دول الجنوب.. بحيث بدت نظرية الثقافة الديمقراطية هناك مجرد طرح نظري كذبته الوقائع الفعلية. في كل حال، لا يستطيع فقه النظم السياسية بعامة، أن يتجاوز عن المآخذ التي أفرزتها ممارسات النموذج الغربي للتعامل الديمقراطي في خريف هذا العام، ولن يكون من اليسير بعد الآن، إلا الإدعاء بطهارة هذا النموذج ومعياريته، يعني ذلك ضرورة اعادة النظر في هذا الفقه، مع تخفيف أو حتى ازالة حجم الاتهامات الملقاة في وجه تجارب دول الجنوب وثقافاتها السياسية؟! لعل الأمر كذلك بالفعل. وقد نذهب الى أبعد من هذا التصور. ففي تقديرنا أن المراجعة المطلوبة لقوام هذا الفقه، سوف تتعزز أكثر، إن هي تدبرت فيما يمكن أن يستلهمه النموذج الغربي من بعض الموروث الثقافي للنظم المتهمة بالتقليدية وعدم الحداثة! إن تراث الأقوام الأخرى، خارج دائرة الغرب ونظرياته في السياسة والحكم، ينطوي على جوانب وأطروحات حكيمة. واذا لم يتجه المولعون بمعيارية هذا النموذج الى توسيع أفق مقاربتهم لهذا التراث، بقدر كبير من التواضع، فسوف تمضي عبرة خريف غضب الديمقراطيات الغربية بلا جدوى. وسيظل هؤلاء عاكفين على موقفهم الدفاعي العقيم عن ما لا يمكن الدفاع عنه بالسهولة التي يتخيلونها بعد الآن. فلا الثقافة السياسية لعالم الغرب كلها فضائل، ولا الخبرات السياسية لعوالم الآخرين تخلو من الفضائل. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة