وقبل ايام من حرب يونيو 1967 زار شمس بدران وزير الحربية والمسئول الثاني في القوات المسلحة ورجل المشير الأثير ـ موسكو لكي يجس نبض القادة السوفييت حول موقفهم خلال نشوب حرب بين مصر واسرائيل، والتقى بوزير الدفاع السوفييتي المارشال جريتشكو ورئيس الوزراء كوسيجين. وحضر مراد غالب هذه اللقاءات واذهله، كما اذهل القادة السوفييت مدى ما يتميز به شمس بدران من جهل وعدم تقدير للمسئولية يصل الى حد الاستهتار، فضلا عن الغباء الذي جعله يسيء فهم ما قالوه له، وكان صريحا وواضحا وقاطعا في انهم يعترضون على تصعيد مصر للموقف في المنطقة، وينصحون بالتوقف عند هذا الحد، والسعي للتهدئة، وتفادي كل اجراء يمكن ان يؤدي الى مواجهة عسكرية لن تكون في مصلحتها، لانهم ـ لاسباب استراتيجية تخصهم وتخص مصر ـ لن يستطيعوا التدخل الى جانبها اذا نشبت الحرب بينها وبين اسرائيل. ومع ذلك فقد عاد شمس بدران الى مصر، ليقول في اجتماع رسمي لمجلس الوزراء وامام الرئيس عبدالناصر ان السوفييت وعدوه بالوقوف مع مصر الى آخر مدى في حالة نشوب الحرب بينها وبين اسرائيل! وكان ما كان: وقعت الهزيمة وتمت تصفية المشير عامر ومجموعته وحوكم كثيرون من حاشيته، واعتقل بعضهم لفترة ثم افرج عنهم.. كان من بينهم العقيد علي شفيق سكرتيره العسكري الذي اتصل بمراد غالب شاكيا من انه يكاد يموت جوعا بعد احالته للمعاش، ووقف زوجته وكانت نجمة سينمائية ومطربة مشهورة هي مها صبري عن العمل في الاذاعة والسينما طالباً اليه التدخل للسماح لها بالعمل.. ونقل مراد غالب الطلب الى عبدالناصر اثناء لقاء له معه.. فقال له: علي شفيق هل تعرف ماذا فعل معي علي شفيق؟ في عام 1962 واثناء الخلاف بيني وبين عبدالحكيم عامر سرت شائعة بأن القوات المسلحة قد انضمت كلها الى عبدالحكيم، وان السلاح الوحيد الذي يقف معي هو سلاح الطيران، وجاء علي شفيق بوحدات من المدفعية، ووجهها الى بيتي، وقال: لو حلقت طائرة واحدة من القوات الجوية من اي مطار فسوف نضرب بيت عبدالناصر بالمدافع. ولم يكن خبر وفاة عبدالناصر مفاجئا لـ «مراد غالب» ففي يناير عام 1970 وفي اثناء زيارة قام بها لموسكو لمتابعة العلاج قال الدكتور شازوف الطبيب الخاص للزعماء السوفييت ـ للسفير المصري سوف اطلعك على حقيقة الحالة الصحية للرئيس بصفتك زميلا طبيبا على ألا تردد هذا الكلام امام احد. لقد ادخلناه في غرفة مخصصة لرواد الفضاء، بها اوكسجين تحت ضغط عال وكنا نأمل ان يؤدي هذا الى توسيع شرايين القلب الفرعية، لكي تعوض انسداد الشرايين الرئيسية، ولكن للاسف لم يحدث هذا.. وارجو ان تتدخل لكي يخفف المحيطون به عبء العمل والانفعال عنه لان قلبه لم يعد يحتملها. بعد سبعة أشهر من ذلك وفي استراحة المعمورة، استقبل عبدالناصر الدكتور مراد غالب، الذي وجده بادي النشاط، ويتمتع بمعنويات عالية، وكلفه بأن يطلب من السوفييت تصعيد مساعداتهم العسكرية ليمكن دعم حائط الصواريخ استعدادا لمعركة تحرير الارض، اذ لم يكن يعول على اي حل سلمي.. وعندما هم السفير بالانصراف قال له عبدالناصر.. «عبداللطيف البغدادي ح يزور موسكو قريب، عاوزك ترتب له عدة مقابلات مع كل الزعماء السوفييت». فقال مراد غالب: ايه ده ياريس.. دي حكاية كبيرة.. ورد عبدالناصر: بلاش لماضة انت فاهم كويس.. روح نفذ اللي قلت لك عليه.. واستنتج مراد غالب ان عبدالناصر ينوي تعيين البغدادي نائبا له، بالاضافة الى ـ او بدلا عن ـ نائبه الوحيد انذاك، انور السادات، وقال له البغدادي الذي التقى به مصادفة في اليوم نفسه بمنزل صديق مشترك ان العلاقة بينه وبين الرئيس قد استعادت دفئها بعد سنوات من القطيعة وانه يتصل به عدة مرات في اليوم الواحد، ويجعل له بعض الملفات، اما وهو يفكر في ان يوفده الى موسكو ليتعرف بالقادة السوفييت فإن ذلك يدفع الامور في اتجاه جديد، لا يستبعد معه، ان يكون في نية عبدالناصر تعيينه نائبا له! وكان انور السادات نائب الرئيس، قد تسرع ايامها واعلن رفض مصر لمبادرة روجرز.. وما كان عبدالناصر ـ الذي كان في زيارة لموسكو آنذاك ـ يعود ويعلن قبوله لها، حتى اصيب السادات بازمة قلبية وقيل انه اصطنعها ليهرب من المواجهة، واعتكف في قريته ميت ابو الكوم، ثم انتقل الى الاسكندرية ليمضي بقية فترة النقاهة، وفي اثناء زيارة مراد غالب له حضرت قرينة الرئيس عبدالناصر وابنتها منى للاطمئنان ـ كذلك ـ على صحة السادات الذي كان طوال زيارتهما صامتا ومتجهما وعندما انصرفت السيدتان قال بمرارة: قال جايين يطمنوا عليّ.. قال يعني بيحبوني قوي! بعدها بأقل من شهر غادر عبدالناصر الدنيا قبل ان يعين عبداللطيف نائبا ـ او خليفة ـ له، وآلت رئاسة الدولة ـ بالمصادفة المحضة، الى انور السادات وكان الانطباع الذي عاد به القادة السوفييت الذين شاركوا في جنازة عبدالناصر، هو ان ورثته مختلفون ومرتبكون وليست لديهم رؤية واضحة لما يفعلونه في المستقبل، وان مصر ستمر في مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم، وان على الاتحاد السوفييتي ان يكون حذراً وان يراقب العلاقات الداخلية بين خلفاء عبدالناصر بيقظة. وفي اول زيارة قام بها السادات الى موسكو في مارس 1971 وعده القادة السوفييت بتزويد مصر بطائرة قاذفة ثقيلة تحمل صواريخ بعيدة المدى، لتكون سلاحا للردع على ان تظل في موسكو وتطير الى مصر عند طلبها في اي وقت. فثار ثورة عارمة، وضرب المنضدة بيده، وقال: انا لاقبل هذا مطلقا.. السلاح يجب ان يكون تحت يدي انا.. وقال بادجورني لبريجينف: ما هذا نحن لم نتعود هذه الطريقة في المباحثات، كنا نتكلم مع عبدالناصر في هدوء واحترام.. ونجح بقية اعضاء الوفد في اقناع السوفييت بأهمية ان تنتقل الطائرة الى مصر وتطير منها عند الحاجة اليها، وكان من رأيهم. ومن بينهم مراد غالب ـ ان السادات قد افتعل هذه المعركة، وانه اشعل ثورة غضب على قصد، وانه يسعى عامداً للصدام مع السوفييت لكي يجد مبرراً لفصم العلاقة معهم. وحين نجح السادات في تصفية شركائه في السلطة من ورثة عبدالناصر، في 15 مايو 1971، قلق السوفييت وقال لهم: مراد غالب ان يسار الثورة قد ضرب وان يمينها قد انفرد بالسلطة.. لكن هذا ليس معناه ان السادات لا يريد علاقات طيبة معكم.. لكنه كان على ثقة بأن كل شيء سوف يتغير، اذ كان يعرف مدى ايمان السادات بأن امريكا وحدها هي التي تستطيع ان ترد له الارض المصرية المحتلة. وبعد شهور وفي اكتوبر 1971 عينه السادات وزير دولة للشئون الخارجية، وما لبث ان ادرك ان الهدف من ذلك هو التمهيد لخفض التحالف مع الاتحاد السوفييتي، الذي لم يكن السادات يخفي كراهيته العنيفة له، على نحو اربك مراد غالب وحال بينه وبين رسم سياسة واضحة للعلاقة بين البلدين، وكان التفسير الوحيد لسلوك السادات هو انه يجري اتصالات سرية مع الامريكيين تجعله على ثقة بأنهم سيقفون الى جانبه، لكن الشواهد على صحة ذلك كانت قليلة اذ كان الانحياز الامريكي لاسرائيل واضحا وفاضحا. وفي حديث بينهما اخذ السادات يكيل الاتهامات للسوفييت لعدم تلبيتهم لطلبات مصر من الاسلحة، ولما لفت مراد غالب نظره الى ان كل مؤسسات الدولة في ايدي قيادات معروفة لعدم حماسها للعلاقات مع السوفييت، وانها تشن حملات دعائية علنية ضدهم، على نحو كان لابد وان يتشككوا معه في اتجاهات حكمه، وان يقبضوا يدهم عن دعمه.. فاجأه بأن قال له، بأنه كانت هناك اتصالات وتأمر بين السفير السوفييتي في القاهرة، وبين من سماهم «الولاد اللي انا قبضت عليهم في 15 مايو» ولولا ذلك لكان قد وقع انقلاب سوفييتي. مسح السوفييت وبدا وكأن السادات قد اصطنع هذه الواقعة ليبرر رغبته في انهاء العلاقات مع السوفييت الذين لم يكن كراهيته لهم وقال مرة لـ «مراد غالب» انه سوف يمسح الوجود السوفييتي مسحاً، ليس فقط من مصر، بل من الشرق الاوسط كله. ولم يكن نشر الندوة التي عقدتها «الاهرام» سوى فصل من تلك الحرب المستعرة بين السادات والسوفييت، فبعد اسابيع من نشرها، وفي يوليو 1972 استدعى مراد غالب الذي كان قد اصبح وزيراً للخارجية الى اجتماع عاجل مع الرئيس حضره عدد من المسئولين، قال لهم السادات: انا طربقتها على دماغ الروس، ودماغ الكل وطردت الخبراء السوفييت. وفي محاولة للتخفيف من اثر القرار اوفده مع رئيس الوزراء عزيز صدقي الى موسكو ليحاولا اقناع المسئولين السوفييت بأن طرد الخبراء هو مجرد «وقفة مع الصديق» وان مصر لاتزال حريصة على علاقاتها معهم. وهو كلام لم يستطع ان يخفف من احساس القادة السوفييت بالاهانة، وقال لهما بريجنيف ـ وكان سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي. ما الذي فعلناه لكم لكي توجهوا لنا هذه الاهانة؟.. لقد قاتلنا معكم وسالت دماؤنا مع دمائكم على ضفاف القناة، وفي غيرها من الاماكن.. وكنا نقتسم لقمة العيش معكم.. واغرورقت عيناه بالدموع وهو يقول لقد كنا نخفي عن الشعب السوفييتي موتانا الذين قتلوا على ارضكم حتى لا يكره مصر والمصريين. ودهش الامريكيون لان السادات قدم لهم خدمة عظيمة ولم يطلب ثمنا لها، وحدث انقسام في الكونجرس الامريكي، اذ طالب بعض الاعضاء بتقديم مكافأة كبيرة له، مقابل الخدمة الكبيرة التي خدمها لامريكا بينما قال آخرون ان السادات بطرده للسوفييت قد اصبح بلا سند، وسوف يأتي الينا راكعا وعندئذ نحن الذين نملي عليه ما نريد.. ويقول مراد غالب انه كان هناك تفاهم بين عبدالناصر وتيتو، يعطي للرئيس اليوغسلافي الحق في الاتصال بالرئيس الامريكي لاقناعه بأن مصر مستعدة لانهاء الوجود السوفييتي مقابل تدخل امريكا لاقناع اسرائيل بالانسحاب من كل الاراضي العربية التي احتلت عام 1967م. لكن السادات انهى هذا الوجود كما يقول مراد غالب في مذكراته من دون اي ثمن شأن كل رجل نزيه لا يقايض على مبادئه، اما وقد تحقق ما طالب به اسماعيل فهمي وكيل وزارة الخارجية في ندوة «الاهرام» فطرد الخبراء السوفييت، فقد كان طبيعيا ان يلغي قرار تجميده، وان يعود من الاجازة المفتوحة التي منحها له وزير الخارجية مراد غالب، الذي فوجيء بعد اسابيع من قيامه بمهمة تطييب خاطر السوفييت بتعديل وزاري، ينقله الى منصب سفير بوزارة الخارجية. ـ كاتب مصري