أذكر أنني عندما جئت إلى إسبانيا لأول مرة عام 1977 كان الدولار يساوي 62 بيزيتة إسبانية، وبمرور الوقت خلال تلك السنوات الطويلة التي عشتها دارسا ثم صحافيا وباحثا ومواطنا مقيما، والتي تقترب من ربع قرن من الزمان كانت تحدث هزات وطفرات في الفارق ما بين العملة الإسبانية والعملة الأمريكية، حتى وصلت في منتصف الثمانينيات إلى حد مزعج بالنسبة للبعض، وإن كانت بالنسبة لمن يعملون لجهات تدفع لهم بالعملة الأمريكية تعتبر أمرا محمودا، لأن ارتفاع سعر الدولار كان يعني وقتها نوعا من زيادة الأجر غير المحسوب، والحكومة الإسبانية لم تكن تجد غضاضة في إعلان تخفيض العملة الوطنية مقابل الدولار كلما وجدت أن الأحوال الاقتصادية تتطلب ذلك، وأذكر أن سعر الدولار وصل إلى أعلى معدل له عام 1986، حيث كان يساوي رسميا 198 بيزيتة، أي أكثر من ضعفي سعره عند وصولي إلى البلاد، وإن كان الآن يتراقص ما بين 180 و190 بيزيتة طبقا لحالات البورصة واختلاف معدلات الفائدة التي أصبحت في يد البنك المركزي الأوروبي تمهيدا لاختفاء البيزيتة نهائيا وإحلال «اليورو» محلها مع أول العام 2002، أي بعد أسابيع قليلة. الأمر نفسه حدث مع الجنيه الإسترليني، فقد كان خلال فترة إقامتي في لندن ما بين عامي 1990 و1992 يساوي ما بين 180 و184 بيزيتة إسبانية، وبعد أزمة عام 1992 قررت الحكومة البريطانية تركه حرا مقابل العملات الأجنبية الأخرى مما دفع به إلى سعر أعلى بكثير، وطبقا لتسعيره مقابل العملة الوطنية الإسبانية يتراوح سعره الآن ما بين 265 و270 بيزيتة. الأمر نفسه حدث في العديد من الدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا والبرتغال وألمانيا، من كان يسافر إلى تلك البلاد في أوائل الثمانينيات ويسافر إليها الآن يجد فارقا كبيرا في أسعار عملاتها مقابل الدولار الأمريكي. يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن هذا أمر طبيعي تفرضه حركة الاقتصاد الحر، ففي حالة إسبانيا مثلا خفض قيمة عملتها مقابل الدولار لا يعتبر سيئا، بل العكس تماما، لأنه يساعدها على تصدير العديد من منتجاتها الزراعية والصناعية إلى الدول التي تتعامل بالدولار كعملة للتبادل الرسمي، لأن ارتفاع سعر الدولار يتحول إلى انخفاض في أسعار تلك المنتجات عند عرضها في أسواق تلك البلاد، وبشكل خاص الولايات المتحدة التي تعتبر من أكبر الأسواق المستوردة للعديد من المنتجات الإسبانية والتي لا تجد لها سوقا في دول الاتحاد الأوروبي. بل انخفاض سعر العملة الوطنية الإسبانية مقابل الدولار له عائد أكبر من خلال السياحة التي تعتبر صناعة البلاد الأولى، لأن السائح الأمريكي الذي يشكل حوالي نصف حجم السياحة الإسبانية يقبل عليها نظرا لانخفاض سعر الخدمات، فالدولار يتحول إلى رأس مال كبير بين يدي السائح الأمريكي، ووجوده في إسبانيا يصبح أرخص من قضاء اجازته في بلاده، وهذا يدفع به إلى الإقبال على المنتج السياحي الإسباني. من خلال هذه الأمثلة أحاول أن أضع إصبعي على بعض الأكاذيب التي يسوقها بعض مروجي العولمة من الاقتصاديين، لأنهم في الوقت يؤكدون على حتمية تطبيق أنظمة سياسية معينة منقولة من الدول المتقدمة حرفيا لزرعها في البلاد الراغبة في دخول منظومة العولمة، يفترضون أن ما يصلح لعلاج الاقتصاد في الدول المتقدمة لا يصلح للدول المختلفة. فقد شهدنا في هوجة الإعداد لنشر العولمة الاقتصادية عبر الكرة الأرضية شرقا وغربا قدم اقتصاديوها روشتات عديدة، لا تختلف من بلد عن الآخر بالنسبة للعالم المتخلف الزاحف نحو تلك العولمة بحثا عن قرض يعينه على مواجهة أعباء اجتماعية ترهق ميزانياته الهزيلة، لكن تلك الروشتات تختلف عن تلك المطبقة فعلا في العالم المتقدم، وكأن الانتماء إلى منطقة دون أخرى يوجب خلافا في البحث عن وسيلة لعلاج الأمراض الاقتصادية. دائما ما يضعون على رأس مطالب العولمة الاقتصادية تطبيق النظام الديمقراطي ، بل يطالبون بتطبيق النظام الديمقراطي الغربي بحذافيره بغض النظر عن مكان وزمان التطبيق، لأن النظام الديمقراطي في رأيهم الضمانة لرؤوس الأموال التي يمكن ضخها للمساهمة في عمليات التنمية المطلوبة، وفي الوقت نفسه يحذرون من أي عمليات تعويم أو خفض لقيمة العملة الوطنية لتلك البلاد حتى لو كان هذا علاجا مطلوبا لإصلاح الوضع الاقتصادي. بعد عقد كامل من تطبيق تلك الروشتات الغريبة نجد أن دول العالم المتخلف التي سارت في ركاب هذه النصائح مجبرة حتى تتلقى القروض المطلوبة قد غرقت في مزيد من هذه الديون، وتبحث الآن عن قروض أخرى جديدة، لا لضخها في عمليات استثمار وتنمية وطنية، بل لسداد فوائد الديون القديمة، أي الدخول في دائرة الاستدانة، أو كما يقول الإسبان كالسمكة التي تعض ذيلها معتقدة أنها تعض ذيل سمكة أخرى وما حدث في البرازيل والإكوادور والأورجواي والباراجواي والمكسيك، والعديد من الدول الآسيوية والأفريقية الأخرى، أو ما يحدث في الأرجنتين الآن شاهد على ذلك. وربما كان المثال الأرجنتيني الأكثر وضوحا، فقد طبقت النظام الديمقراطي مع نهايات الثمانينيات، وكانت انتخابات عام 1991 الأولى التي يتمكن فيها رئيس دولة منتخب ديمقراطيا راؤول ألفونسين من تسليم السلطة سلميا لرئيس منتخب آخر كارلوس منعم ، هذا النظام الديمقراطي يعتبر افضل حالا بالطبع من نظام حكم العصبة العسكرية التي نهبت البلاد وأغرقتها في بحر من الخوف والرعب والدماء طوال السبعينيات والثمانينيات، وانتهت بكارثة الهزيمة العسكرية في حرب المالفين وما تبع ذلك من تكشف حقائق مذهلة عن مئات الآلاف من المختفين الذين لا يعلم سوى الله مصيرهم. لكن لم يكن تطبيق النظام الديمقراطي الغربي هو كل المطلوب للحصول على رضاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات المالية ومن يقف من ورائهم من ساسة ومنظري العالم المتقدم، أصحاب اليد العليا في منح أو منع القروض عن المحتاجين والمجبرين على الوقوف على أبواب تلك المؤسسات من دول العالم المتخلف. بل كان مطلوبا بعد تطبيق النظام الديمقراطي الغربي بحذافيره في الأرجنتين، وتحت وصاية لجان مراقبة لكل الإجراءات الانتخابية، تسليم دفة الهيئات الاقتصادية المحلية، وبشكل خاص ما يختص بالعملة الوطنية لحكماء مقدمي القروض لتسيير الأمور طبقا لما يروه، وما يرونه بالطبع لا بد وأن يصب أولا في حفظ وضمان القروض الخارجية وأرباحها، بغض النظر عن تأثير هذا على الاقتصاد الوطني للأرجنتين. وكان أول ما فعله الرئيس كارلوس منعم عام 1991 لضمان الحصول على رضاء صندوق النقد الدولي والبيت الأبيض هو ربط العملة الأرجنتينة المحلية البيزو بالدولار، كل بيزو يساوي دولار بضمان الحكومة والبنك المركزي، وهذا يعني أن الدولار أصبح الغطاء الضامن للبيزو، أي عودة إلى ضمانات الذهب القديمة التي تخلت عنها الولايات المتحدة نفسها منذ قرار الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1933 لتحرير الدولار من ضمانة الذهب التي كان معمولا بها قديما. ماذا كانت النتيجة؟، أن الدولار لم يصبح الضمان للعملة الأرجنتين بل أصبح الضمان لرؤوس الأموال الأجنبية التي اندفعت للمضاربة في الأرجنتين من خلال شراء شركاتها ومؤسساتها العامة بأسعار بخسة تنفيذا لقوانين السوق المفتوحة التي تفرضها العولمة على من يرغب في الحصول على مساعدة الدول المتقدمة، ثم قامت بإدارة تلك المؤسسات والهيئات بطريقة الاستهلاك الكامل لطاقتها دون استثمار حقيقي لإحلال المستهلك من معداتها، والخروج بعد ذلك بالمكاسب كاملة لا تمس ولا يصيبها الوهن الذي أصاب العملة المحلية خلال العقد الماضي. وما أن بدأت تلك الأموال المغامرة تشعر بأن الشركات والمؤسسات التي اشترتها قد استهلكت وأن «المد» الاقتصادي في الأرجنتين تحول إلى «جزر» حتى قررت الهرب إلى الخارج بحثا عن دولة أخرى يمكن التغرير بها عن طريق منظري العولمة وممارسة الدورة من جديد. ماذا كانت النتيجة؟. النتيجة أن رئيس الحكومة المنتخب ديمقراطيا فرناندو دي لا روا ووزير اقتصاده العبقري المتبتل في كهنوت العولمة «دومينجو كافال» وجد أن الطريق الوحيد للإبقاء على اقتصاد الأرجنتين دون إعلان الإفلاس الكامل هو طلب قروض جديدة لدفع خدمات الديون القديمة، وبما أن المؤسسات الدولية القادرة على منح هذه القروض تعرف عدم قدرة الأرجنتين على دفع القروض الجديدة، بعد أن وصلت الديون رقما فلكيا يزيد من مئتي مليار دولار، تراجعت عن تأييدها للخطط الاقتصادية التي تحاول من خلالها الحكومة «الديمقراطية» جدا الإبقاء على الحياة في جسد الاقتصاد المريض. وبما أن الحكومة الديمقراطية جاءت إلى الحكم تنفيذا لروشتة عباقرة العولمة الاقتصادية فقد قرر الرئيس ووزير اقتصاده التمسك بتنفيذ وصايا حكماء تلك العولمة، وعدم المساس بقيمة العملة الوطنية التي لم تعد لها قيمة حقيقية، بعد أن تآكلت بفعل التضخم، ولجأت الحكومة إلى الحجر على «مدخرات» فقراء الشعب، ومنعتهم من استخدامها من خلال عدم السماح بالسحب النقدي لأي مدخر لأكثر من 250 دولار أسبوعيا، فيما سمحت للشركات والمستثمرين الأجانب بالفرار بأموالهم، لأن الحكومة لم تضع حجرا أو قيودا على عمليات التحويل المصرفية التي تتم باستخدام الشيكات المتبادلة بين المصارف. إن المعايير المزدوجة سياسيا من جانب العالم المتقدم تجاه قضايا العالم المتخلف تصحبها معايير مزدوجة اقتصاديا في الاتجاه نفسه، فإذا كان النضال ضد المحتل في عرف الولايات المتحدة وأوروبا يعتبر «إرهابا»، فإن الحرية في تصحيح مسار الاقتصاد الوطني أصبح في عرف الولايات المتحدة وأوروبا الغربية «تدخلا» لا يجوز، لأنه يحرم أموال البنوك والمؤسسات المصرفية الغربية المضاربة من ضمان هروبها بما نهبت. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا