استوقفني طويلا خبر منع ظهور المكوجي المغنواتي شعبان عبدالرحيم في أحد برامج التلفزيون المصري بالاستناد إلى قرار اتخذ من قبل جهة رفيعة في التلفزيون، وهذا يدل على ان النخوة الذوقية دبت فجأة في رؤوس أصحاب القرار وسيقومون بدورهم الرقابي الاجتماعي ويعني أيضا ان كل من ليس له علاقة بالغناء سيمنع من الظهور على الشاشة. وعلى ذكر الرقابة فهي لا تعني حذف لقطات الجنس أو الجمل التي تمس شخصية حكومية أو المس بالمعتقدات الدينية، الرقابة تعني ان نحمي الناس من الدجالين والمشعوذين والحرامية الذين ينبتون كالطحالب في التلفزيونات والخيم الرمضانية أو الصالات السينمائية والذين يقدمون للناس أغاني مبتذلة ومسفة وفيها من الركاكة والضعف ما يشيب له شعر الرأس، والأمر لا يعني مروجي الأغاني فقط، بل يشمل كذلك كتاب السيناريو الذين يكرسون قيما سلبية في مسلسلات تصور الرجل الشرقي شهريار لا هم له سوى الزواج والاكثار من الحريم في عمارته وذلك ضمن دائرة الزواج الحلال وكل شيء حسب الشرع ودلع نفسك يا حاج متولي! الرقابة تشمل أيضا الذين يشوهون التاريخ بالفانتازيا والغرائبية وكأن صلاح الدين الايوبي قادم من الفضاء، أو كأن الحروب الصليبية مشجب نعلق عليه كل خيبات التاريخ. وتشمل الرقابة المذيعة الراقصة المغناج التي تظهر من سخافات الكلام ما تعجز مفاتن جسدها عن تغطيته فتحول القاف الى كاف وتعمل على صيغة الجمع التطبيشي للغة فمثلا تجمع كلمة متر (متورا) وكلمة سؤال (سؤالات) وكلمة فيلم (فلومة) ثم تضحك ملء شدقيها وكأنها انثى شمبانزي بعدما قدم له المدرب طبقا من الموز.. صحتين يا أمورة. إذن الرقابة ليست الجنس والدين والملك، الرقابة أخلاق اجتماعية يتم رصدها عبر عقل راجح وعين فاحصة ومشاعر حساسة فلا تسمح بما هو مبتذل ليعرض على التلفزيونات ولا تسمح بما هو رخيص ليقدم الى الناس بحجة التنويع والدم الخفيف والفرفشة، ومهمة الرقيب هي مهمة (مزارع المستقبل) الذي يعرف ماذا يبذر في عقول الأبناء حتى يحصد ثمرا جيدا بعد عدة سنوات، لان الاكثار من الرقص وعدم الاعتراض على الهزازات في الفيديو كليب سيحولنا الى أمة جوفاء تطبل في دنياها وتزمر على آخرتها، والسكوت عما يطرح من نماذج سلبية في الدراما الرمضانية سيكرسها وكأنها حقائق ثابتة مستقبلا. إن خبر منع ظهور شعبان عبدالرحيم خبر مشجع وحبذا لو حذت بعض المحطات الأخرى حذو التلفزيون المصري ومنعت ظهور سارقي الألحان من البلدان المجاورة ولاطشي الأنغام من الأتراك واليونانيين والهنود بحجة انهم مجموعة لصوص يسطون على ثقافات وابداعات غيرهم وينسبونها لأنفسهم، وحبذا لو تم تقديمهم إلى محاكمة عادلة ثم زجهم في استوديو واحد مع مذيعتهم الموهوبة ميوعة ودلعا وحشرهم في ذات المقعد مع ملوك الفانتازيا وامراء الأسئلة الذهبية والمسابقات الاعتباطية ومن ثم تقديمهم للناس في برنامج حكم العدالة وتحت عنوان «مشوهو التاريخ حاضرا، وماضيا، ومستقبلا». رفعت الجلسة. E.mail:H-S-D@maktoob.com