في كتابه الشهير (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) يتحدث الكاتب (د. جون غراي) عن أحد التقاليد المتبعة لدى قبائل الهنود الحمر، حيث ترشد الامهات الهنديات بناتهن المقبلات على الزواج بأن يتذكرن دائماً أن الرجل اذا بدا عليه الانزعاج أو الضيق أو عانى من ضغوطات معينة فإنه ينسحب إلى داخل (كهفه)، وهنا على الزوجة ألا تعتبر سلوكه هذا موجهاً ضدها بصفة شخصية، ان صمته وانسحابه لا يعني بأنه لا يحبها، لكنه يعني بأنه سيذهب وحيداً بعض الوقت، ثم يعود اليها وقد هدأ تماماً. في هذا الكتاب ندخل عوالم الرجل وعوالم المرأة لنكتشف الفرق الهائل بينهما إلى درجة التضاد والاختلاف، ولكن ليس إلى درجة التصادم، وهذا أمر طبيعي اذا اخذنا هذه الاختلافات على أنها تخص كائنين مختلفين احدهما رجل والآخر امرأة! في اتجاه النصيحة التي تقدمها الام من قبائل الهنود الامريكيين لابنتها الصغيرة المقبلة على الزواج نقف امام مشكلة عادة ما لا تفهمها اغلب النساء، واحيانا اغلب الرجال ايضا، وهي ان مسألة الحديث تختلف عند الرجل عنها عند المرأة، فهما يتحدثان لاسباب مختلفة، واحياناً تتحدث النساء في الوقت وعن السبب نفسه الذي يجعل الرجل يمتنع عن الكلام نهائيا! ولذلك فالام الامريكية الهندية تقول لابنتها وبشكل حاسم (لا تدخلي الى كهف زوجك وإلا فسيحرقك التنين)! هذا يعني ان الرجل حينما يصمت فإنه لا يكون مستعداً على الاطلاق لاستقبال أحد في كهف صمته، وخاصة المرأة، ولذلك يجعل ثورته وغضبه حراساً لهذا الكهف، فاذا لحقته الزوجة اطلق عليها التنين فأحرقها! إن الرجل والمرأة يتحدثان كلاهما في الاوقات العادية للهدف نفسه اما لايصال المعلومات واما جمعها، لكن الرجل لا يتحدث اطلاقاً عندما يكون متضايقاً، الا بعد ان يهدأ، في حين ان النساء يتحدثن وهن في قمة ضيقهن وانفعالهن واحياناً يتحدثن وهن يبكين، لانهن يشعرن بتحسن كبير وتوازن أكثر وذلك بعكس الرجل تماماً، ايضاً المرأة لا تجد طريقة لخلق اجواء من المودة وللبوح بالمشاعر سوى بالكلام الذي يعبر عن مشاعرها الداخلية، اما الرجل فإنه يتوخى الحذر ويتوقف عن الحديث لكي يجد ذاته مرة اخرى، لانه حقيقة يشعر بأنه سيفقد الكثير من ذاته وقوته إذا تحدث. المشكلة اللامرئية التي تقع فيها الكثير من النساء في تعاملهن مع الزوج أو الرجل بشكل عام هي افتراضهن الغريب بأنه اذا صادفته نفس الازمات والمواقف التي تصادف المرأة فإنه يتوجب عليه ـ حسب اعتقاد النساء ـ ان يتصرف مثلهن، متناسيات بأنه رجل وبأنهن نساء، ويقع اغلب الرجال في الاشكالية ذاتها، اعتقادهم بأن على النساء أن يفكرن ويتواصلن ويستجبن بالاسلوب ذاته الذي يتبعونه هم، وهذا ما يقود للكثير من مواقف الاحباط، وسوء الفهم والغضب واضاعة المشاعر الجميلة بينهم. لا نقول إن كل الرجال لا يعرفون هذه الاشكالية الشديدة الحساسية، ولا كل النساء لكن هناك اشكالية في فهمها عند كثيرين من الناس، لأن فهمها يحتاج في الحقيقة إلى تعلم وصبر وسعة أفق. aishasultan@hotmail.com