كان ذلك خلال سعير الحرب العالمية الثانية وعندما انتقدوا الزعيم الانجليزي ونستون تشرشل تعاونه مع زعيم الكرملين الشيوعي جوزيف ستالين في مواجهة هتلر، عدوهما المشترك في المانيا، رد تشرشل بجواب شهير قال فيه: من اجل القضاء على هتلر فنحن على استعداد للتحالف مع الشيطان. يومها ـ شرع رسامو الكاريكاتور اقلامهم وريشاتهم وبادروا الى رسم اكثر من صورة ساخرة للزعيم الروسي ستالين على هيئة.. شيطان.وربما كان امر ستالين سهلاً ميسوراً فقد ظل طيلة سنوات حكمه الطويلة (1924 ـ 1953) يطل على الناس بشاربه الكث الكثيف، وملامحه الغليظة وكأنما على سبيل تذكيرهم باصوله الفلاحية المنحدرة من ارياف جورجيا. لكن الزعيم الروسي الحالي فلاديمير بوتين له صورة مغايرة ولا تصلح على الاطلاق لتحويرها كما تحاكى هيئة الشيطان.. الرجل دقيق الملامح.. وسيم الى حد كبير، انيق بصورة لافتة للانظار.. وربما للإعجاب ايضاً، ثم ان دعايات الميديا الامريكية لا تألو في هذه الايام جهداً كي تشيد بالسيد بوتين وتتمدح ببوادر شهر العسل من التعاون والتفاهم التي لاحت في الافق بين امريكا والاتحاد الروسي الذي يتربع على قمة قيادته رجل المخابرات السوفييتية السابق.. رئيس روسيا الحالي بوتين. ونحن في العالم الثالث ـ يهمنا بشكل مبدئي وربما على اساس اخلاقي ومصلحي كذلك ان تصبح علاقات الدول، الكبرى بالذات، النووية على وجه الخصوص، علاقات طيبة ومثمرة، سمناً على عسل كما يقول المثل العام في بعض اقطارنا العربية. المطلوب في الشرق الاوسط لكننا في الشرق الاوسط بالذات لابد ان نشغل انفسنا برصد ما يطرأ على تلك العلاقات الطيبة من تطورات ولا سيما في المجال الجوهري الذي يمس المصالح الوطنية والقومية للثروة من شعوبنا في العالم العربي. ذلك هو مجال النفط. في هذا الاطار استرعى انظارنا ونحن نتابع كما اسلفنا في احاديث سبقت ـ تطورات ومستجدات المشهد الامريكي الراهن ـ تعبير كررته الصحف الامريكية القومية واستخدمته في معرض وصفها للمركز الذي ترى ان روسيا باتت تشغله في ميدان صناعة وانتاج واقتصاديات النفط بشكل عام. وهذا الوصف هو: الطائر .. المغرّد وما اكثر ما تتبدل به الاحوال: اين هذه الغزليات الاعلامية ـ السياسية من القطيعة التي طالما انتجتها واطلقتها آلة التوصيف الامريكية وعلى ارفع مستوياتها على روسيا ـ السوفييتية سابقاً ولعل أشهرها الوصف الذي كان اثيراً لدى الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان، حين وصف موسكو ودولتها السوفييتية في الثمانينيات بانها «امبراطورية الشر والظلام»؟ روسيا الطائر المغرد ـ لماذا اصبحت روسيا طائراً مغرداً ـ بلبلاً صدّاحاً بالنسبة للامريكان؟ ـ انها اصبحت شريكاً في لعبة المواجهة الرفيقة احياناً والصدامية احياناً مع منتجي النفط في العالم خاصة على مستوى منظمة الاوبك التي تمثل وترعى مصالح هؤلاء المنتجين وهم ـ كما لا يخفى عليك ـ ينتمون الى اركان العالم الاربع في الشرق والغرب ومنهم عرب بطبيعة الحال. تقول الكاتبة الامريكية سابرينا تا فرنيسي: اضحت روسيا تتسم في عيون امريكا باهمية جوهرية بوصفها احد منتجي الطاقة المهمين في العالم، بل ان هذا الدور (دور الطائر الغريد الصداح.. نفطياً حتى لا ننسى) تزداد اهميته ويتسع نطاقه مع ما تتخذه حكومة موسكو حالياً من اجراءات تنطوي على تيسيرات جديدة امام توظيف استثمارات طائلة في قطاع الطاقة. تحولات جديدة ولقد كانت الكاتبة الامريكية تعلق على الزيارة التي قام بها مؤخراً الى موسكو السيد سبنسر ابراهام وزير الطاقة الامريكي الذي ادلى بتصريح في اول ايام الزيارة الاربعة قال فيه: ان روسيا تتحول الان فتصبح عاملاً يحسب له الف حساب في معادلة الطاقة، ومن شأن الاجراءات الاخيرة (في مجال تيسير الاستثمار في القطاع المذكور) ان تضعها في مركز قوي للغاية بالنسبة لعمليات صنع القرار في ميدان الطاقة على مستوى العالم كله. وربما كان وزير الطاقة القادم من واشنطن بهذه التصريحات وهو يكاد يفرك يديه جزلاً وسعادة.. كيف لا وقد جاءت تصريحاته ـ كما يقول المراقبون المختصون بقطاع النفط في وقت يسود فيه التوتر العصبي كما تعبر «سابرينا تا فرنيسي» اسواق النفط العالمية حيث كانت الاقطار المصدّرة تضغط من اجل تخفيض كميات الانتاج بهدف الحفاظ على استقرار الاسعار، وكان خطابها موجهاً بالذات الى المنتجين المهمين الثلاثة من غير اعضاء منظمة الاوبك وهم المكسيك والنرويج وروسيا وفيما دلت مؤشرات كثيرة على ان كلا من المكسيك والنرويج كانتا على استعداد لخفض انتاجهما فإن نفس المؤشرات افادت بان التقاعس وعدم الحماس هما الوصف الحقيقي للموقف الروسي الذي تجسد في تصريحات متعاطفة وربما في تخفيضات اقرب الى الرمزية ولكن دون التزام حقيقي بخفض الانتاج ومن ثم تقليص العرض بهدف رفع او الحيلولة دون تذبذب او تدهور الاسعار. ولان النفط بداهة سلعة لها ابعادها السياسية والاستراتيجية فإن المحللين المهتمين بهذا الشأن يرون في بروز روسيا نفطياً ظاهرة ينبغي التوقف عندها بتأن شديد ودرس عميق. روسيا والاوبك في هذا السياق تنشر نيويورك تايمز (عدد الجمعة 30/11/2001) افتتاحيتها الرئيسية بعنوان قوة النفط الروسية تقول فيها: ربما تكون روسيا قد تحولت بحيث لم تعد قوة عسكرية عظمى ولكنها تحولت في السنوات الاخيرة، وبهدوء الى حيث اصبحت ركيزة اساسية في صناعة وتجارة النفط.. وذلك تطور تترتب عليه اثار سياسية واقتصادية مهمة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها على السواء. وبغير مواربة ـ على بلاطة كما يقول مثل شعبي اخر، تؤكد النيويورك تايمز، ان موسكو اصبحت الان في موقف يتيح لها ان تقيد تقييداً حاداً قدرة منظمة الاوبك على التحكم في اسعار النفط. وباسلوب اقرب الى الخبث ان لم يكن التحريض السياسي تتنقل الجريدة الامريكية الكبرى وتأثيرها على صنع القرار والرأي العام اكثر من معروف الى ان تقول: اذا ما ظلت موسكو ترفض مسايرة الاستقطاعات التي تحبذها الاوبك في كميات الانتاج، يصبح بوسع روسيا ان تعزز سمعتها بوصفها مورداً نفطياً مسئولاً وموثوقاً ويمكن التعويل عليه للوفاء باحتياجات اوروبا من الطاقة وتلك هي الفرصة التي لا ينبغي ان يبددها الرئيس فلاديمير بوتين بحال من الاحوال. هنالك تعمد الافتتاحية لتي نحيل اليها الى ما قد نسميه دغدغة حواس القيادة الروسية الباحثة كما ندرك تماماً عن دور جديد لبلادها وخاصة مع دول الغرب في اوروبا وامريكا حيث تقول الصحيفة الامريكية. ان روسيا هي اكبر مصدر نفطي في العالم من غير اعضاء الاوبك. وهي بهذا تتمتع بقوة ضغط ونفوذ لا يستهان بهما بالنسبة لاسعار النفط العالمية. احصاءات نفطية والصحيفة تشير هنا الى الاحصاءات التي نشرت مؤخراً وتفيد بارتفاع معدلات الناتج النفطي الروسي بنسبة 15 في المئة عن السنتين الاخيرتين لدرجة اهلت روسيا للمساهمة في مجمل الانتاج العالمي من النفط بنسبة تصل الى 10 في المئة فضلاً عن امكانات تصديرها كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.وفي هذا الصدد ايضاً، تشير اوساط امريكية كثيرة الى ان بوتين يتبنى اجندة عمل ترمي الى توثيق، ان لم يكن ادماج روسيا داخل الاسرة الغربية من خلال ترميم الجسور التي دمرت وتوصيل العلاقات التي انقطعت خلال السنوات السبعين وزيادة التي استغرقتها الحقبة السوفييتية في بلاده.. (اذاع الكرملين يوم اول ديسمبر الحالي نبأ الانعام على سلفه يلتسين بارفع وسام في البلاد في حفل عام.. وقبل ان يتساءل الناس عن سبب تكريم رئيس اشاع الفساد والرشوة والمحسوبية في عهده اكد الكرملين ان السبب هو الدور الذي لعبه بوريس يلتسين في انهاء وازالة .. الدولة.. السوفييتية). النفط يضرب جورباتشوف ورغم هذا التكريم.. يتذكر الدارسون ان حكم يلتسين ترنح من ضربات اصابته من جانب قطاع النفط بالذات وكان ذلك تحديداً في عام 1998 الذي شهد انخفاضاً شديداً في اسعار النفط العالمية مما اصاب اقتصاد روسيا في عهد رئيسها الاسبق بضربات موجعة، بل كان الانهيار الشديد الذي اصاب الاسعار في اواخر عقد الثمانينيات من اسباب تصدع النظام السوفييتي. اخر نظام سوفييتي في عهد جورباتشوف. يضاف الى هذا ما يلاحظه المهتمون بقطاع النفط الروسي من ان الانتاج للتصدير يحقق مكاسب في الوقت الحالي لمجرد هبوط الطلب وان روسيا تفيد حالياً من ظاهرة اصابة اقتصاد العالم بآفة الركود. ومن ثم تفيد التوقعات المحسوبة بانه حين يسترد هذا الاقتصاد العالمي انفاسه وحين يبدأ في الانتعاش فإن شركات النفط الروسي سوف تجد نفسها مضطرة لسد احتياجات السوق المحلية في بلدها دون ان تجد الكميات الهائلة التي يراهن عليها الكثيرون من اهل الغرب لزوم التصدير، هذا فضلاً عن ان ثمة صراعات مازالت مستمرة خلف الكواليس بين دولة بوتين التي تود ممارسة قدر ما من السيطرة على عمليات الانتاج بحكم ما يتسم به النفط من ابعاد سياسية استراتيجية وثيقة الصلة بعمليات ادارة العلاقات الدولية كما يحرص عليها الكرملين، وبين شركات واحتكارات النفط في الداخل وفي الخارج التي لا يهمها سوى ان ترفع الدولة الروسية يدها عن عملياتها وان توجه مزيداً من الاستثمارات الى المجال النفطي الذي تعمل فيه، وان تمنحها مزيداً من التيسيرات والاعفاءات الضريبية بدعوى تفعيل النشاط في حقل القطاع الحيوي. صراع مع الكرملين في هذا السياق يقول «ايفجيني خارتوكوف» مدير المركز الدولي للدراسات النفطية في موسكو: كثير من المراقبين الغربيين يطرحون سؤالاً حول موقف الرئيس بوتين ومدى تأثيره على الصناعة النفطية وانا اجيب عليهم قائلاً ان قطاع النفط (الشركات والاحتكارات والمصالح) هو الذي سيحدد مركز بوتين.والمعنى بداهة هو ان احتكارات النفط الروسية تتصور او تطمح الى ان تصوغ بمعرفتها وحسب اجندة مصالحها موقف القيادة في موسكو. ولنا ان نتصور اشتداد الصراع بين الطرفين الى درجة الضراوة في بعض الاحيان، ذلك لان قيادة الكرملين لها بدورها اجندتها الخاصة وهي سياسية بالدرجة الاولى ويأتي في قمة بنودها توثيق وتدفئة العلاقات بين روسيا وحلف الناتو، وصياغة اتفاقات جديدة بين موسكو وواشنطن بشأن تخفيضات اخرى في مجال الاسلحة النووية وابرام اتفاقات مستحدثة. في مجال التعاون الاقتصادي يتيح لروسيا من ناحية تخفيف اعباء ديونها والافادة من آليات الاقراض من المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد بالذات ولامريكا سيطرة او فلنقل حظوة خاصة على صعيده) ثم يتيح لموسكو من ناحية اخرى الافادة من اوجه تقدم الغرب الاوروامريكي في مضمار العلم والتكنولوجيا. في كل حال، فلنضع اعيننا مفتوحة دارسة ومحللة ومتعمقة على تطورات الشأن النفطي في روسيا. ـ كاتب سياسي من مصر