من أكثر كتب المرحوم عباس محمود العقاد تأثيرا في نفسي كتابه (اللغة الشاعرة) وهو من كتبه المتأخرة التي قصد في بعضها الى الكشف عن عبقرية اللغة العربية وتميزها الابداعي، ولذلك اندفع في تأليف كتابه الفريد من نوعه بين كتابات المحدثين المنتسبين الى هذا العصر، واستطاع بعمق نظرته ونفاذ بصيرته النقدية الوصول الى مجموعة من الملاحظات التي استطاع بها أن يضيء الجوانب الخفية لعبقرية اللغة العربية، خصوصا في خصائصها المتباينة التي جعلته يستخدم (اللغة الشاعرة) عنوانا لكتابه.. ورغم أن العقاد كان يصدر بالطبع عن حماسة عربية لا تلبث أن تعدي القارئ لكتابه..، ومن ثم تدفع هذا القارئ الى المفاخرة بلغته والاعتزاز بها، فانه لم يقع فيما وقع فيه كثير من المؤلفين القدماء خصوصا حين فاخروا على نحو أجوف بلغتهم العربية، ونسبوا اليها تفردا وهميا لكي يؤكدوا فضلها على بقية اللغات. ومن أمثله هذا الفخر الأجوف ما ذهب اليه بعض المؤلفين القدماء من أن الاعاجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب الذين ظل كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة بالقياس الى غيره لما فيه من وحي واشارات واستعارات ومجازات. فعل ذلك ابن قتيبة في القرن الثالث للهجرة عندما تحدث عما خص الله به العرب من المعارضة والبيان واتساع المجاز، وفي القرن الرابع للهجرة ذهب ابن وهب صاحب كتاب (البرهان في وجوه البيان) الى القول بأن الاستعارة انما احتيج اليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم وليس هذا في لسان غير لسانهم، وذهب ابن فارس في القرن نفسه الى أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها لكثرة مترادفاتها، ولأن فيها من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير ما لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله الى لغة غير العربية. ولذلك ذهب ابن رشيق في القرن الخامس للهجرة الى أن الاستعارات والمجازات هي من اتساع العرب في الكلام اقتدارا ومباهاة وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم. ولولا أمثال عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس للهجرة ممن عرفوا الكثير عن اللغات الأجنبية، وممن أدركوا وجود المجازات والاستعارات في كل اللغات، لمضى المتعصبون من القدماء في فخرهم الذي لا أساس له من الصحة. وكان عبد القاهر الجرجاني الذي درس أسرار بلاغة القرآن ودلائل اعجازه حكيما عالما عندما ذهب الى أن المجازات والاستعارات موجودة في كل اللغات، وانها لا تميز عن أخرى، وأن اللغة العربية مثلها مثل غيرها من اللغات في خصائص التقديم والتأخير والحذف والوصل، فضلا عن المجاز أو الاستعارة أو الكناية. وقد تعلم مما ترجمه معاصروه والسابقون عليه عن الأمم الأخرى، ان العربية كاليونانية والسريانية والفارسية (البهلوية) والهندية (السنسكريتية) فيها الخصائص البلاغية الموجودة في كل اللغات، وأن المجاز مثل غيره من أساليب البلاغة أمور يستوي فيها العربي والعجمي وتجدها في كل جيل، وتسمعها من كل قبيل، فالوجه الحسن أن تضاف الى العقلاء جملة، ولا تستخدم عبارات توهم أنها عرف خاص باللغة العربية وحدها. وقد نقل هذه النظرة عن عبد القاهر كثيرون، ومنهم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حيث ذهب الى أن الشعر لا يختص باللسان العربي كما أدعى البعض لأنه موجود في كل لغة، سواء كانت عربية أو غير عربية، وقد كان في الفرس شعراء، وفي اليونان، وفي غيرها من الأمم وقال ابن خلدون ان أرسطو في كتاب المنطق ذكر منهم أوميروس (هيروموس) الشاعر وأثنى عليه. وبمثل هذه المعرفة توقف بعض الشيء التيار الجامح للفخر الجاهل. ولكن النظرة العاقلة لأمثال عبد القاهر لا تعني تميز العربية عن غيرها من اللغات في مواضع المقارنة، ولا تنفي عبقرية العربية التي تحدث عنها أمثال العقاد، حين وصف لغتنا الجميلة بأنها لغة شاعرة. وقد دفعني وصف العقاد، فضلا عن ملاحظاته وطرائقه في الاثبات، الى ملاحظة أوجه التفرد في اللغة العربية، خصوصا كلما أتيحت لي فرصة القراءة في المراجع القديمة التي تنطوي على كنوز باهرة في علوم اللغة والبلاغة. ومن هذه المراجع المعاجم القديمة، خصوصا ما تقدمه لمن يطلع عليها من معلومات عن الحروف الموجودة في اللغة العربية. ولا أعنى بذلك ما اصطلح النحاة على تسميته بحروف الجر (مثل: على وفي ومن غيرها) التي قالوا انها تنوب عن بعضها في العمل وان لكل حرف منها وظيفة دلالية بعينها تميزه عن غيره رغم انابته عن غيره، وانما أعنى كذلك الحروف المفردة للغة، وما تؤديه هذه الحروف أحيانا من وظائف وأدوار تلفت الانتباه بكثرتها في حضرة جانب صغير فحسب من جوانب عبقرية اللغة الشاعرة. والحرف الذي أختاره للدلالة على ذلك هو حرف الواو، وهو من أواخر حروف المجمع، أو الحرف السابع والعشرون من حروف المباني على وجه التحديد، كما أنه من الأحرف الجوف، وتأتي على ستة وعشرين وجها، حصرها صاحب (تاج العروس) ونقلها عنه - بعد تهذيب - خليفة محمد التليسي في المجلد الرابع من معجمه (النفيس). وسأذكر بعض هذه المعاني لفائدة القارئ الذي يريد أن يعرف شيئا نافعا عن عبقرية لغته: أما المعنى الأول فهو واو العطف لمطلق الجمع أو غير مطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه، وأحوالها أكثر من أن يحتملها المقام. أما المعنى الثاني فهو ورودها بمعنى باء الجر مثل (أنت أعلم ومالك) أي (أعلم بمالك) والمعنى الثالث هو المعنى الذي يؤدي دلالة التعليل كما في قوله تعالي: ياليتنا نرد ولا نكذب) أي لئلا نكذب والمعنى الرابع قرين الاستئناف كقولهم (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) والخامس واو المفعول معه، مثل (سرت والنيل) . والسادس واو القسم مثل قولهم: (والله لقد فعلت كذا) والسابع واو رب، ولا تدخل الا على نكره موصوفة للتقليل. والثامن الواو الزائدة كما في قولهم: (ربنا ولك الحمد)، وهي لا تخلو من معنى التوكيد حتى في زيادتها والتاسع ما يطلق عليه القدماء واو الثمانية، كما في قوله تعالي (سبعة وثامنهم كلبهم) أو (ثيبات وأبكارا) والعاشر واو ضمير الذكور كما في قولهم: (الرجال قاموا ويقومون وقوموا أيها الرجال) والحادي عشر علامة التذكير في لغة قبيلة طيئ، ومنه الحديث الشريف: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) والثاني عشر واو الانكار مثل (الرجلوه) بعد قول القائل (قام الرجل) فقوله (الرجلوه) هو قول المنكر بمده بالواو والهاء للوقفه. والثالث عشر الواو المبدلة من همزة الاستفهام المضموم ما قبلها كما في قراءة (قال فرعون وآمنتم) . والرابع عشر واو التذكر وتكون للتعاين والتذكر، كقولنا: هذا عمرو فتستمد منه ثم تقول منطلق. والخامس عشر واو الصلة والقوافي، كقول الشاعر: (قف بالديار التي لم يعفها القدمو) فوصلت ضمة الميم بواو تم بها وزن البيت ويحدث ذلك كثيرا في الشعر. والسادس عشر واو الاشباع كالبرقوق حين تصل العرب الضمة بالواو. والسابع عشر مد الاسم بالنداء كقولهم: يا قورط يريد قرطا، فمدوا ضمة القاف بالواو ليمتد الصوت بالنداء. والثامن عشر الواو المحمولة مثل (طوبي) التي أصلها (طيبي) حيث انقلبت الياء واوا لانضمام الطاء قبلها، وهي طاب يطيب والتاسع عشر واو الوقت وتقرب من واو الحال، كقوله: (أعمل وأنت صحيح) والعشرون واو النسبة مثل (أخوي) في النسبة الى الأخ وأموي في النسبة الى الأم والحادي والعشرون واو عمرو لتفرق بينه وبين عمر في الرفع والخفض، وتسقط في النصف حين نقول: رأيت عمرا، والثاني والعشرون واو النداء والندبة، مثل: وا اسلاماه، وامعتصماه.والثالث والعشرون واو الحال مثل: زرتك والنسيم عليل. وتمضى المعاجم العربية، وبخاصة الموسعة منها، في تعداد معاني الواو على هذا النحو الى أن تصل الى الرقم السادس والعشرين. وسواء أخذنا هذه المعاني على أنها وظائف دلالية أو أوضاع نحوية أو فوارق أسلوبية فان كثرتها اللافته علامة على ثراء استخدام الحرف، وتعددها الدال اشارة الى ثراء اللغة التي تنتسب اليها، وتباين مقاصدها الأسلوبية في تراكيبها الخاصة دليل على عبقرية اللغة الشاعرة تلك التي نتكلمها صباح مساء ولا نعرف درجة عبقريتها، حالنا في ذلك حال ذلك البرجوازي محدث النعمة الذي وصفه كاتب المسرح الفرنسي الساخر موليير في احدى مسرحياته، وهي مسرحية البرجوازي النبيل أقصد الى ذلك المشهد الذي أتي فيه البرجوازي النبيل بمن يعلمه، فبدأ المعلم بتعليمه أن اللغة تنقسم الى شعر ونثر، فاندهش محدث النعمة لأنها كانت المرة الأولى التي يعرف فيها أن الكلام الذي ينطقه دون تفكير هو: شعر ونثر.