وقف على منصة تكريم الشخصية الاسلامية لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم رجل يندر وجوده في هذا الزمن الصعب، فقد تحمل علي عزت بيجوفيتش عنت العالم أجمع حتى أوصل شعب البوسنة والهرسك بكل طوائفه الى ميناء السلام. من لا يتذكر هذا البلد الذي حُوصر من كل الجهات أمام ضربات الصرب بأطنان من الكراهية قبل مزيد من أطنان الرصاص المذاب على رؤوس المسلمين في مجازر لم يشهد التاريخ مثيلاً لها والشواهد الحية ما زالت حاضرة بجثثها التي تستخرج يومياً من تحت الأنقاض التي داستها البلدوزرات بأقدامها في مقابر جماعية يقف مرتكبها اليوم مجرم الحرب الأول سلوبودان ميلوسيفيتش أمام محكمة العدل الدولية ويداه لم تجفا ولم تتوبا من جرائم الحرب وجرابها الممتد الى أزمنة ممتدة. بيجوفيتش الأوروبي المسلم في الإمارات يقف اليوم على منصة تفتخر بأنه يكفيه شرفاً بعد تشريف راعي الجائزة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لهذا الاختيار الموفق للنوادر من الرجال في هذا العصر، بأنه حمى شعب البوسنة والهرسك من الاستئصال الذي كان يقف له بالمرصاد. نموذج المسلم بيجوفيتش قدم أروع صورة للاعتدال في الاسلام وهو الذي ذاق من خصومه أشد صور الارهاب والدمار لشعبه المتهم بذنب الاسلام. ولقد تنازل هو ومن معه في هذا الطريق عن الكثير للوصول الى حل تم من خلاله التوصل الى صيغة من التعايش السلمي بين طوائف من الكروات والصرب بكل اختلافاتهم العرقية، وبعد تدخلات دولية قادتها أمريكا في معاهدة سلام نرى آثارها الايجابية على الأرض التي دارت فيها ملاحم انتقامية وحشية لم نصدق أنها ستتوقف بهذه الصيغة التوفيقية للحفاظ على روح الاسلام هناك. الذي يقرأ للمفكر بيجوفيتش يدرك أنه لم يتعامل مع الإسلام في قلب أوروبا إلا بما يمكن إيصاله للشعوب الأوروبية التي تتعامل مع الأديان بطريقة مختلفة عن الآخرين لأنها أبعدت الدين عن تسيير دفة الحياة بعد أن ذاقت ويلات البابوات باسم الإله للتسلط على رقاب العباد. لقد كاد الناس أن ينسوا الرئيس علي عزت بيجوفيتش لأنه خرج من سدة الحكم ورضي أن يعيش بعيداً عن حركة السياسة بعد تحرير بلده. إلا أن للتاريخ ذاكرة لا تنسى الرجال العظام من الذين صنعوا في الحياة أمجاداً حقيقية أزاحت عن المظلومين كوابيس الحاقدين على دين لم يعرف الكراهية والعنصرية قط فعزت اليوم هو الذي قدم الاسلام لأوروبا على طبق من الاعتدال والوعي بأن هذا الدين لن يضام حتى لو أطبقت حوله وطوقت عنقه ظلمات الآخرين. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae