لست من المتحمسين لمقارنات بعض النقاد بين أدباء وأعلام الفكر العربي من جهة والأدباء العالميين من جهة أخرى، لأن هذه المقارنات تحط من قيمة الأدب العربي، وتعكس رؤية «دونية» للذات، لكن جرياً مع الشائع واعتبار الأديب والروائي العالمي نجيب محفوظ تولستوي الشرق سأوافق عليه، وأبحث عن تفرد صاحب الثلاثية. ويبدو ان تشبيه محفوظ بتولستوي أديب روسيا العظيم، له ما يبرره، فالأديبان تجمعهما رؤية انسانية تكاد تكون متطابقة، وتحركهما رغبة صادقة في الانتصار للقيم الإنسانية، وتغيير العالم، فضلاً عن تشابه «أدواتهما» في إعادة نسج الواقع. ويجسد نجيب محفوظ في عالمه الروائي، قدرة استثنائية على رصد التفاصيل الدقيقة الشعبية الفكهة، ويمزج في لغته الموحية بين الغمز السياسي والغمز الاجتماعي، ويكفيك أن تقرأ رواياته، لتجد نفسك، غارقاً حتى النخاع في أجواء تتدفق حيوية، وتصور حياة المصريين في النصف الأول من القرن العشرين، حينما اكتمل «الحمل الثوري» دون حدوث ولادة حقيقية لثورة بشّر بها المثقفون، حتى ولدت على يد الضباط والأفراد. واعترف أن قراءة نجيب محفوظ، تجدد نشاط الذهن وتجلو الصدأ من الروح، وتجعلك تصاحب شخوص رواياته، وكأنهم يتعايشون معك. وأذكر أن شخصية السيد عبدالجواد في الثلاثية، حيرت جيلنا، وجعلتنا نتهكم على نموذج المثقف الحائر الهاجز، كما صببنا اللعنات على «البحيري» نموذج المثقف الانتهازي ابان الستينيات في ظل حكم ثورة يوليو. على أن ما تأثرنا به هو شخصية نجيب محفوظ الاسطورية ودأبه على الكتابة، وفق أجندة يستحيل أن تتغير، مثلما كان الألمان يضبطون ساعاتهم على الفيلسوف عمانويل كانط. ويتفرد نجيب محفوظ بإخلاصه لأدبه، وترفعه عن الشهرة الزائفة، وعدم إذعانه للسلطة مهما كانت، وقناعته بوظيفته الحكومية التي وفرت له الدخل الثابت، مهما كان صغيراً، ففيه الكفاية من شر سؤال اللئيم. ولأن روايات نجيب محفوظ الذي يطفئ الشمعة التسعين، تعتبر بحق منجماً تاريخياً، يتناول حياة المصريين بين أهم ثورتين في العصر الحديث: ثورة 1919، وثورة 23 يوليو 1952، فإن رمضان وأجواءه وجدا لهما متنفساً في بعض أعماله. ففي رواية خان الخليلي، يرصد نجيب محفوظ أجواء رمضان في قاهرة المعز، إبان غارات الألمان، ويمزج في رصده بين استعداد عائلات الطبقة الوسطى، ورعب الغارات. وتكتشف في خان الخليلي ان الاستعداد لرمضان كان يبدأ في مطلع شهر شعبان، حيث تنتصب خيم «مبيض النحاس» لتنظيف أواني الطبخ النحاسية، يليها تخزين ياميش رمضان ومؤونة من سمن ودقيق وغيره. ولقدرته الفذة في الرصد والتقاط المتغيرات يستحق نجيب محفوظ لقب «جبرتي العصر». ولمن يندهش ويتساءل عن سر قدرة نجيب محفوظ، عليه أن يبحث عن سلوكيات محفوظ ويقارنها بسلوكيات الأدعياء الذين يستعجلون الشهرة والمجد والثروة، دون أن يقدموا شيئاً يخلدهم في تاريخ الأدب.