رغم انني من المتحفظين على استخدام مفهوم العولمة بشكل مطلق على اعتبار ان المفهوم سياسيا ينصرف الى محاولة لتدبير مايمكن تسميته بعملية الهيمنة الدولية التي تقوم بها الدول الكبرى أو الغنية على الدول الصغرى أو الفقيرة. وتصبح العولمة على هذا النحو محاولة ماكرة لان تقدم شكلا متحضرا ـ اذا جاز التعبير ـ للاستعمار الذي ولى عهده وانتهي في مجالي السياسة والاقتصاد. أقول رغم اني اتحفظ على هذا الاستخدام المبالغ فيه لكلمة العولمة اليوم في مجتمعنا المعاصر الا اني أرى انها تأخذ أبعادا أخرى اذا تم تناولها في مجال الاعلام. نتصور ان العولمة في مجال الاعلام تعني التقارب العالمي نتيجة التقدم التقني في وسائل الاتصال والذي يعطيها اهمية ذلك التطور الهائل في مجال المعلوماتية وظهور وسائل متعددة في الاتصال الجماهيري وتحديدا فيما يتعلق بالاعلام المرئي في عصر مايعرف الآن بالسموات المفتوحة حيث اصبح العالم قرية الكترونية صغيرة تسمح من خلال الاقمار الصناعية في الفضاء بتدفق الاخبار والمعلومات بشكل يحقق نوعا من الذوبان بين الحدود والثقافات بعبارة اخرى ان الاعلام المنغلق على نفسه لم يعد له مكانا في عالم بات فيه من السهل الاتصال والاعلام من ادناه الى اقصاه!! اذن اصبح لا مفر من التعامل الواعي ـ وهو المفترض ـ مع مفهوم العولمة في مجال الاعلام على النحو الذي قدمناه. اشكالية الاعلام العربي يقع الاعلام العربي ـ رغم عولمته ـ في اشكالية مردها انه لم يعد منفصلا عن الاعلام الدولي وفي نفس الوقت مازال اعلاما موجها أو حكوميا بنسبة تزيد على 59%وتبقى نسبة 5% تمثل اعلاما غير حكومي تجسده قنوات فضائية ينطلق بثها مرئيا ومسموعا من بعض الدول العربية أو من دول أجنبية. وعندما تعقد المقارنة بين المستويين الاقليمي والدولي نكتشف ان هناك فارقا نوعيا بمعنى ان كثيرا من الرسائل الاعلامية العربية تتعامل كما لو كانت تبث ارضيا عندما توجه فضائيا والخطورة هنا تكمن فأني الاعلام الارضي محدود بعدد من المتلقين اما الاعلام الفضائي فهو مفتوح ويتلقاه عدد غير محدود من المشاهدين في كل انحاء الأرض. وهنا تبرز نقاط الضعف في الاعلام الارضي عندما يتم بثه فضائيا!! كما ان المتلقين للبث الفضائي جد مختلفين عن المتلقين للبث الأرضي الذي يجب ان يرتقى مستواه الى ان يصبح كلا البثين وجهين لعملة واحدة هي الرسالة الاعلامية المتطورة مع الاخذ في الاعتبار ان معظم أو كثير من المتلقين للقنوات الارضية اتجهوا الى القنوات الفضائية مع انتشار الاطباق والمستقبلات الفضائية نتيجة تعدد أنواعها ورخص ثمنها نسبيا!! وهنا يثور تساؤل علينا ان نجتهد في الاجابة عليه بشئ من الشفافية والموضوعية وهو كيف ندخل ـ أي نحن العرب ـ عصر العولمة الاعلامية ونقبل بتحديات عولمة الفضاء وبشكل أكثر تحضرا يقنع المتلقي العربي! القضية المثارة تنتقل بين مستويات ثلاثة من التحليل المستوى الأول يتعلق بالمهام المنوطة بالاعلام الاقليمي أو البحث عن نقاط الايجاب والسلب في المحطات الفضائية العربية. ويتناول المستوى الثاني موضوع المنافسة بين هذه المحطات او القنوات من حيث الشكل والموضوع اما المستوى الثالث والاخير يتحدد في تساؤل هو كيفية الوصول بالاعلام الاقليمي الى درجة المقارنة ومن ثم المنافسة مع الاعلام الدولي.في السطور التالية سأحاول مناقشة هذه المستويات الثلاثة بشئ من التفصيل. الاعلام الاقليمي العربي ولا شك ان هناك هوة بين الاعلام الموجه أو الحكومي والاعلام الخاص المتحرر من القيود الحكومية وبحكم طبائع الاشياء فإن المتلقي سوف يميل الى الاعلام غير الموجه لانه دائما يبحث عن الجديد والمختلف بعد ان اعتاد لعقود طويلة اكليشهات الاعلام الحكومي خاصة في متابعة الخدمات الاخبارية المختلفة وتحديدا نشرات الاخبار والبرامج السياسية. وأرى ان كثيرا من القنوات الاعلامية الموجهة الحكومية قد تخلصت من عقدة التوجه وطورت من ادائها بما يتلائم مع العصر الفضائي وتأتي قناة أبوظبي الفضائية مثالا واضحا على ذلك. ان الاعلام الحكومي يتملك امكانات مادية وتقنية ـ قد لا يملكها الاعلام الخاص ـ يمكن ان يجري توظيفها لتقديم رسائل اعلامية ترقى الى حد منافسة وتجاوز ما يقدمه الاعلام الخاص من خدمات اخبارية وبرامجية وان كنت اعتقد ان الهدف لقنوات الاعلام العربي سواء كانت حكومية أو خاصة يجب ان يكون التكامل في اطار منظومة اعلامية متطورة للحفاظ على الهوية العربية والارتقاء بالذوق العام. ولكن ـ حسب رأي كثير من السياسيين ـ تبقى المعضلة التي لابد من مواجهتها في مساحة الحرية التي يتحرك فيها كلا النوعين من القنوات الفضائية، حيث ان النوع الأول محكوم بسياسة عامة ذات طابع وظيفي، اما النوع الثاني فهو يتحرك بمنطق البحث على فرص أكبر للمشاهدة يحقق من خلالها انتشارا ومن ثم ارباحا لانه في النهاية يمثل نوعا من الاستثمار واعتقد ان هذا حقه!! وفي هذا الاطار اتناول مثالين: المثل الأول قناة الجزيرة والمثل الآخر مركز تليفزيون الشرق الأوسط (mbc). فقناة الجزيرة تقدم برامج غير خاضعة للرقابة وعلى الهواء وهذا أمر ربما لا يجرؤ الكثير من القنوات الحكومية الرسمية الدخول اليه أو تناوله بنفس مساحة الحرية باستثناء قناة أبوظبي الفضائية التي تعتبر المحطة الاكثر مرونة رغم انها تتبع مؤسسة الامارات للاعلام وفي اعتقادي انها مؤسسة حكومية!! على أي حال تظل نموذجا وحيدا فقط وربما تحاول مجاراته على استحياء محطة النيل المتخصصة للأخبار في مصر. أما تليفزيون MBC استطاع من خلال برنامج واحد وهو من سيربح المليون؟ أن يقلب الموازين لصالحه ويستأثر بنسبة مشاهدة عالية جدا اثرت مثلا على برامج الاتجاه المعاكس في محطة الجزيرة التي تبث من دولة قطر!! تنافس القنوات الفضائية : يمكن القول اذن ان هناك منافسة بين القنوات الفضائية العربية وفي الاجمال الرابح فيها حتى الآن القنوات غير الرسمية مع وجود بعض الاستثناءات على النحو الذي أوضحناه!! ومن هنا تظل المنافسة التقنية والبرامجية مطلوبة للارتقاء بمستوى الاداء وجودة مايقدم من برامج وخدمات اعلامية ويصب كل ذلك في خدمة المتلقي العربي سواء في المنطقة العربية أو المتلقي الذي يقيم في الدول الأجنبية. أعلم ان هناك مجلسا لوزراء الاعلام العرب ولجنة دائمة للاعلام العربي تحت مظلة الجامعة العربية وهناك ايضا لجنة عليا للتنسيق بين القنوات الفضائية العربية ـ لا تتبع الجامعة العربية ـ وتسعى هذه المؤسسات الى ايجاد صيغة للتعاون العربي في مجال الاعلام بما يحقق اداء متميزا يحقق عملية الارتقاء بالاداء الاعلامي وهذا لا يعد رسما أو توزيعا للادوار لأن التنافس لا تحكمه هذه المؤسسات ويظل المتلقي هو الفيصل في الحكم على جودة الاداء. وان كنت أتصور ان وظيفة هذه المؤسسات ايضا البحث في سبل الحفاظ على الهوية العربية في مواجهة الثقافات الاجنببية بشكل عام ورسم خطة لمواجهة الاعلام الصهيوني الذي يحاول اختراق المنطقة العربية بشكل خاص وتلك قضية تحتاج الى المزيد من القاء الضوء في موضع آخر!! منافسة الاعلام الدولي في تصوري أن فرص التفوق موجودة لأن التقنيات باتت أمر يمتلكه معظم المحطات العربية فضلا عن انتشار العقول الاعلامية المتميزة والمتطورة في معظم هذه المحطات بشكل يحقق مستوى حرفي جيد لا يقل عن غيره في مثيلاتها في الدول الأجنبية لاسيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. ولكن التحدي الأهم من وجهة نظري هو الالتزام بقيمنا العربية وتوظيفها في شكل أفكار برامجية تخرج الى النور والبعد عن تلك الاشكال التي نحاكي فيها الغرب. فالتميز لا يأتي بالتقليد ولكنه يتحقق بالابتكار والابداع وتلك مهمة اساسية للمسئولين أو العاملين في مجال الاعلام العربي رسمي أو خاص. وهكذا لا يمكننا ان نضع حدودا للابداع والابتكار في مجال الاعلام الذي اصبح بلا حدود سياسية وهذا التطور الفكري اعاد صياغة الاعلام وحوله من مجرد مجال خدمي يحتاج الى التمويل الحكومي أو غير الحكومي الى صناعة قائمة بذاتها لها اقتصادياتها واستثماراتها. وفي هذا الصدد لابد أن أشير في عجالة سريعة الى تجربتين رائدتين في عالمنا العربي من الأهمية بمكان ان يتم استثمارها في شكل يفيد منظومة الاعلام العربي ككل رسمي وغير رسمي التجربة الأولى: المنطقة الاعلامية الحرة في مصر. التجربة الثانية: مدينة دبي للاعلام والانترنت وقد اقتربت من دراسة التجربة الأولى وتابعة باعجاب عن بعد التجربة الثانية وخلصت الى انهما يمثلان نقلة نوعية في الاعلام الاقليمي العربي بنقلاته الى المستوى العالمي. ولا شك ان هذا التطور في التحليل الاخير سيجعل الاعلام العربي يتقدم بخطى ثاتبة الى عصر لم يعد فيه الا الكيانات الكبرى سياسيا واقتصاديا وبطبيعة الحال اعلاميا. المشروع القومي العربي: خلاصة القول ان الاعلام العربي في عصر العولمة سوف يواجه تحديات كثيرة من أهمها كيفية الحفاظ على الهوية العربية ـ كما أسلفنا ـ وكيف يكمن ان يصبح الاعلام وسيلة قومية للتقريب بين المتلقين العرب لاعلاء النفس العروبي لدى الناطقين بالضاد وكذلك مدى نجاح الاعلام العربي في الحفاظ على الصورة القومية الحقيقية وتقديمها للمتلقين غير العرب بشكل يليق بحضارة وتاريخ هذه الأمة. وأخيرا ماهو الدور المرجو من الاعلام الاقليمي العربي رغم تحديات العولمة في بلورة المشروع القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني وهذه النطقة تنقلنا الى ضرورة الحديث عن الصراع الاعلامي العربي الاسرائيلي وتلك قضية أخرى. ـ كاتب مصري