أنا السابق الهادي الى ما أقوله إذ القول قبل القائلين مقول كنت أظن ان هذا البيت وهو لأبي الطيب المتنبي لا يمكن فهمه الا على أنه من دعاوي الشاعر المتنبي ومن زفراته الكثيرة التي تخرج من صدره الحاوي لقلبه الذي يخفق بحب ذاته لذلك هو لا يرى شعرا في الحياة الا وله عليه فضل، ولا يرى شاعرا الا وأنه سابق له في كل شعره حتى قال لسيف الدولة: أجزني اذا أُنْشِدْتَ شعرا فإنما بشعري اتاك المادحون مُرَدّدا وكنت أظن ان الامر لا يتعدى ذلك حتى قرأت أبياتاً له منها قوله: وطائرةٍ تَتْبَعُها المنايا على آثارِها زجِلُ الجناحِ فتذكرت أحداث أمريكا الاخيرة وما فعلت بها تلك الطائرات التي تبعتها المنايا فوقفت عند هذا البيت برهة وقلت حقاً إنه المتنبي أليس في ذلك نبوءة له تحققت بعد زمانه بمئات السنين. ورُب قائل يقول إنك تجتزئ من شعر أبي الطيب هذا البيت الذي لا يقصد به الطائرة بمفهومنا الحالي انما هو يقصد حمامة من الحمام الزاجل ذهبت ضحية صقر أشهب تبعها فأخذها على حين غرة، والحقيقة ان ذلك الكلام صحيح لا شك فيه الا ان الأمر برغم ذلك يعد شيئاً من النبوءة الفذة التي لا تجدها كثيراً سوى عند المتنبي، فالبيت لا شك لو شئنا ان يكون شاهدنا كلما ذكرنا طائرات امريكا لكان شاهدا لا يذهب بعيداً عن احداث امريكا وما حملته تلك الطائرات من موت وما تبعها من منايا، ويكفيه من ذلك انه استخدم في بيته ذلك كلمة الطائرة التي قلما كانت تستخدم تسمية لكل طائر بل الذي كان يستخدم هو كلمة طائر لا طائرة كما أن آخر بيت من الأبيات التي تقدمها ذلك البيت يشير بكل صدق الى سوء الطالع الذي حملته طائرة المتنبي وطائرات احداث امريكا وفي ذلك اتفاق غريب لقوله: فقلتُ لكل حي يوم سوء وإن حرص النفوس على الفلاحِ ومن يستطيع ان ينكر ان احداث امريكا حدثت في غير يوم سوء بل هو أسوأ أيام امريكا منذ نشأتها؟. ولأبي الطيب بيت آخر يقول فيه: عرفتُ نوائب الحدثان حتى لو انتسبت لكُنت لها نَقيبا وقوله نوائب الحدثان يعني مصائب الدنيا والدهر ولأبي الطيب ان يدعي ذلك ويزعمه كيف لا وها نحن وبعد ما يزيد على الألف سنة نأتي من شعره بما يضعنا في قلب أكبر أحداث هذا الزمان. ولكن أشد ما يلفت انتباهي ويثير اعجابي به هو قوله وكأنه يخاطب هذا الأمة التي تصرف أموالاً تسد عين الشمس لشراء الأسلحة من كل نوع وجنس ثم هي في حين لا ترفع بذلك رأساً ولا تسترد حقاً وكيف يسترد حقاً من يشتري سلاحه من عدوه ولا يصنعه ولك ان تقرأ في ذلك قول أبي الطيب: إذا كنتَ تَرْضَى أنْ تَعيشَ بذِلّةٍ فَلا تَسْتَعِدّنّ الحُسامَ اليَمَانِيَا ولا تَستَطيلَنّ الرّماحَ لِغَارَةٍ وَلا تَستَجيدَنّ العِتاقَ المَذاكِيا فما يَنفَعُ الأُسْدَ الحَياءُ من الطوَى وَلا تُتْقَى حتى تكونَ ضَوَارِيَا لذلك حق لاسرائيل ان تفعل بأهل بيت المقدس ما تفعل في هذه الساعات من الزمن العربي العجيب.