الذي أتذكره جيداً فيما يتعلق بأيام الدراسة، أنني كنت شديدة التعلق بمادة اللغة العربية، وأعلم ان لوالدتي علاقة كبيرة بهذا الامر، وليس ذلك لكونها معلمة لغة عربية مثلاً او مهتمة بشئون الأدب العربي، فوالدتي سيدة طيبة من أمهاتنا اللواتي لم يسعفهن الحظ في التعليم خلال سنوات الاربعينيات من القرن الماضي، لكنها زرعت هذا الحب في داخلي بشكل تعجز عن فعله أية أم متعلمة وخريجة جامعة من أمهات اليوم. لقد كان بنداً اجبارياً على طفلة لم تتجاوز السادسة ان تقرأ القرآن يومياً، وان تحضر معها قصة من قصص مكتبة الفصل لتقرأها أمام الجميع عندما غدت تلميذة في المدرسة فيما بعد، واتذكر جيداً تذمري الشديد، ومحاولاتي المستمرة للافلات من قبضة هذه الواجبات، الا انني اتذكر جيداً ايضاً صبرها وطول بالها علي، واغراءاتها المتكررة لي بالقدر القليل من المال وبأشياء اخرى. واتذكر تلك السلسلة من القصص الجميلة للأطفال والتي كانت تحرص معلمة الفصل على توفيرها في مكتبة الطفل، تلك القصص التي كانت تصدر عن دار العلم للملايين، ودار الآداب، ودار القلم و... وغيرها من المكتبات ودور النشر العربية العريقة والتي ما زالت حتى يومنا هذا مراكز لنشر الابداع والاشعاع والمعرفة الانسانية الخالدة. كما اتذكر جيداً تلك الروائع الخالدة التي كان للمدرسة دور في اطلاعنا عليها وقراءتنا لها في سن مبكرة من خلال منهاج اللغة العربية في المرحلة الثانوية تحديداً مثل «الوعد الحق» لطه حسين، و«هاتف من الاندلس»، و«عبقرية خالد» للعقاد، و«تاجر البندقية» لشكسبير، والتي كانت من مقررات المنهج كقصص نطالعها نناقشها ونقدم فيها امتحاناً إلزامياً مع بقية فروع مادة اللغة العربية كالنحو والصرف والأدب. وبعد سنوات من تخرجنا، وتركنا عالم المدرسة والمناهج، بقيت اللغة العربية خالدة في الداخل، وبقيت القراءة والمطالعة متعتنا التي نركض اليها بلهفة، ونقضي معها اجمل أوقات الاقتراب من ذواتنا وأرواحنا، بقيت القراءة التي كنا نتململ منها ونهرب صغاراً، نافذتنا الاولى المشرعة على الارتقاء والمعرفة واتساع الأفق وتأصيل الفكر، وتشكيل القناعات والرؤى.. لكن المناهج المدرسية لم تبق على ما كانت عليه للأسف.. ولذلك فجيل اليوم يقرأ بالماوس وعن طريق غرف الدردشة في الكمبيوتر، لأنه تعلم في المدرسة بطريقة أكمل الجمل واملأ الفراغات، وضع صح او خطأ، لكن لا قراءة ولا مطالعة ولا هم يحزنون. ومنذ مدة أرسلت لي ولية أمر بحزمة من الأوراق هي عبارة عن منهاج القراءة المقرر على ولدها الصغير ذي الثانية عشرة من عمره في احدى المدارس الخاصة.. وكان من ضمن المواضيع الهامة وذات المساحة الكبيرة قصة عن حياة المغنية (سيلينا)!! ويسترسل الكتاب في الحديث عن نمط حياتها، وحبها للغناء، وطريق المجد الذي سلكته لتكون الأشهر، وأشهر اغنياتها (أعطني قبلة)! ترى أهو نوع من اعادة تشكيل الذهن والفكر على طريقة التطبيع وثقافة الفراغ، أم انه تعميق للفجوة بين جيل تتلمذ وقرأ وتعلم حكايات التاريخ العربي ورجال السياسة والحكم والفتوحات والانتصارات العربية، وحفظ تاريخ شعراء وشاعرات ورموز لا تحصى من تراثنا وتاريخنا، وجيل عليه ان يقرأ ويطلع ويحفظ كل شيء عن حياة سيلينا (من هي هذه السيلينا؟) ومادونا ومارادونا وبيكهام وفتيات التوابل والفور كاتس و... الخ؟ ما هي الحكاية بالضبط يا أهل التربية والتعليم؟ اجيبونا ولو لمرة واحدة؟. aishasultan@hotmail.com