في مايو عام 1972، كان الدكتور مراد غالب ـ وزير خارجية مصر في ذلك الحين ـ يقوم بجولة في بعض العواصم الاوروبية، شملت كلاً من فرنسا وبريطانيا ويوغسلافيا، التقى خلالها بعدد من كبار المسئولين فيها، كان من بينهم الرئيس اليوغسلافي «تيتو» الذي فاجأه اثناء اللقاء بأن مسألة: هل هناك تغيير في سياستكم تجاه السوفييت؟ وادهش السؤال مراد غالب اذ كان قد غادر القاهرة، وكل شيء على ما يرام على صعيد العلاقات المصرية السوفييتية، وكان طوال الوقت يتصل بمعاونيه في وزارة الخارجية، ولم يبلغه احد منهم بشيء من ذلك، فضلا عن انه لم يكن منطقيا ان يحدث مثل هذا التغيير في سياسة مصر الدولية، من دون موافقته او استشارته، او على الاقل اخطاره، وهو ما دفعه لان يستوضح الرئيس اليوغسلافي عن سبب تساؤله، فقال له تيتو انه عرف ذلك من الصحافة المصرية.. وتدخل وزير الخارجية اليوغسلافي الذي حضر اللقاء، لينهي المناقشة التي احرجت الطرفين، فقال لنظيره المصري: سوف نتحدث عن هذا فيما بعد. وكانت مفاجأة كاملة، للدكتور مراد غالب حين عرف ان جريدة الاهرام، الوثيقة الصلة بالمراجع المصرية العليا، قد نشرت وقائع ندوة عقدتها، واستضافت فيها عدداً من كبار المسئولين في وزارة الخارجية، كان من بينهم وكيلها اسماعيل فهمي وتحسين بشير مدير ادارة الصحافة بها، والسفير اسامة الباز وآخرين، وفيها عدا الاخير، فقد انطوت اقوال الاثنين الآخرين على نقد عنيف اللهجة وبالغ الحدة للسياسة السوفييتية على نحو كان لابد وان يثير ازمة في العلاقات بين البلدين، بينما لم يكن قد مضى، سوى اقل من عام على توقيعهما على معاهدة الصداقة والتحالف، ففضلا عن حساسية السوفييت المفرطة للنقد، فقد كان مستحيلا ان يقتنعوا او ان يقتنع غيرهم، بأن ما قيل في هذه الندوة، يعبر عن آراء اصحابه، ليس فقط لانهم يشغلون مناصب عليا في الحكومة، بل وفي وزارة الخارجية بالذات، ولكن ـ كذلك ـ لانهم كانوا يعرفون كما يعرف العالم كله، ان «الاهرام» تنطق بلسان المراجع العليا المصرية، وان رئيس تحريرها «محمد حسنين هيكل» الذي ادار الندوة، واذن بنشرها، واحد من اقرب الشخصيات واكثرها نفوذا لدى الرئيس السادات. ولم يكد مراد غالب يعود الى القاهرة، حتى التقى بـ «هيكل» محتجا على ما حدث، وحين تعلل بأن الوزير هو الذي اقترح عليه عقد ندوات بين المسئولين في وزارة الخارجية، والمسئولين في الصحف يتم خلالها تبادل وجهات النظر حول القضايا المهمة، رد عليه بأن ذلك كان كلاما عاما، يتطلب تنفيذه الاتفاق على التفاصيل، واتباع ابسط التقاليد، فيتولى بنفسه وبصفته الوزير المسئول عن رسم سياسة مصر الخارجية، شرح موقف القاهرة الرسمي من العلاقات مع موسكو، نافيا ان يكون ـ كما تبادر الى ذهن هيكل ـ قد فوتح في عقد الندوة، او ان يكون قد اوفد د. اسامة الباز ليعبر عن ارائه، على الرغم من تقديره بأنه كان اكثر المتحدثين اعتدالاً وموضوعية. ولم يخفف قول هيكل بأنه قد حذف كثيرا مما قاله اسماعيل فهمي في الندوة، من غضب مراد غالب، فضلا عن ادراكه لما يمكن ان يحدث نشرها من توتر في العلاقات بين القاهرة وموسكو، فقد كان لديه هاجس بأن هيكل يهييء اسماعيل فهمي لدور ما، فقبل اسابيع من ذلك، وبسبب سفره الى مهمة في الخارج. اناب وزير الخارجية عنه وكيل الوزارة، في حضور اجتماع لاحدى لجان مجلسي الشعب، حيث القى بيانا روتينيا واجاب عن اسئلة النواب، ومع ذلك فقد اتخذت الاهرام في اليوم التالي من الكلام المكرر الذي قاله مانشيتاً رئيسيا لها، ثم جاءت واقعة نشر اقواله في الندوة لتؤكد هواجسه في ان هيكل يسعى لتلميع اسماعيل فهمي، لسبب ما، وهو ما دفعه لان يعلق على ما حدث بعبارات اثارت هيكل. بعد ذلك بأيام استقبل الرئيس السادات في استراحة القناطر، وزير خارجيته مراد غالب وبعد ان اطلعه على نتائج رحلته، التي لم يكن الرئيس متحمسا لسماع شرح عنها، تحدث عن الندوة التي نشرتها الاهرام باعتبارها عملا عدائيا ضد السوفييت، سوف يثير غضبهم ـ مما يؤثر سلبا على استجابتهم لتوريد قوائم الاسلحة الكبيرة، التي طلبتها منهم مصر، لكي تستكمل القوات المسلحة استعدادها لتحرير سيناء. وتحولت دهشة مراد غالب الى ذهول حيث هون السادات من شأن ما حدث، ولان تعليقاته على وقائع الندوة وآرائها في العلاقات مع السوفييت لم تكن تختلف كثيرا عن آراء اسماعيل فهمي، مما اضطره لتناول الموضوع من زاويته الشكلية، معترضا على ان يقوم احد غيره برسم سياسة الوزارة ومضيفا انه سيوقف اسماعيل فهمي وتحسين بشير عن العمل ويمنحهما اجازة مفتوحة لحين البت نهائيا في امرهما، وكظم السادات غيظه وقال له: انت الوزير المسئول.. ولك ان تزاول مسئولياتك كما ترى. المقابلة كانت هذه المقالة هي التي اكدت للدكتور مراد غالب ـ كما يقول في مذكراته التي نشرت في كتاب صدر في القاهرة الاسبوع الماضي ـ ان الرئيس السادات على عكس ما كان يبديه في خطبه العلنية، وفي اتصالاته الدبلوماسية، يضمر للسوفييت كراهية شديدة، واكدت له انه كان على حق حين تشكك في ان تعيينه وزيرا دولة للشئون الخارجية في يناير 1972 بعد عشر سنوات قضاها سفيرا لمصر في موسكو، لعب خلالها دوراً مهماً في توثيق العلاقات بين البلدين ـ كان مؤشراً على انتهاء سنوات العسل في العلاقة بينهما، وليس بداية لشهر عسل جديد كما تصور كثيرون! ومراد غالب «الذي ولد عام 1922» هو احد المعنيين القلائل الذين ارتبطوا بقادة ثورة 23 يوليو 1952 قبل قيامهم بثورتهم بسنوات طويلة، اذا كان جارا وصديقا وزميلاً منذ عهد الطفولة، وفي مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية لاثنين من الضباط الاحرار، هما كمال الدين رفعت وحسن القطامي، فضلا عن ضابط الشرطة صلاح دسوقي واشترك معهم في نشاط وطني تحت رعاية الفريق «عزيز المصري باشا» الذي كان بمثابة استاذ لكثيرين من الضباط الاحرار..وكان مراد غالب مدرسا بكلية الطب بجامعة الاسكندرية حين قامت الثورة وبعد شهور استدعاه الرئيس عبدالناصر ليبلغه بأنه تقرر انتدابه من الجامعة الى وزارة الخارجية وتعيينه سكرتيرا ثانيا في السفارة المصرية بموسكو، ليعاون السفير الجديد «الفريق عزيز المصري» الذي اشترط ذلك لقبول المنصب. وكان المهمة التي كلف بها عبدالناصر هي ان يحاول استكشاف امكانيات استفادة مصر من الاتحاد السوفييتي، ومع ان السوفييت كانوا يصنفون الثورة المصرية باعتبارها انقلاباً عسكرياً خطط له الامريكيون على النحو الذي كان شائعا في انقلابات امريكا اللاتينية، إلا انهم ابدوا استعدادهم للتعاون في كل المجالات، بينما التزموا الصمت عندما سئلوا عن مدى استعدادهم لامداد مصر بالسلاح. وخلال السنوات الاربع التي امضاها مراد غالب في موسكو تخلص السوفييت من بقايا الجمود العقائدي الذي كان سائدا في عهد ستالين وغيروا موقفهم من حركات التحرر الوطني، في الوقت الذي برزت فيه سياسة عبدالناصر الوطنية المعادية للاحلاف، فتحسنت العلاقات بين الطرفين وهو ما اتاح له فرصة لكي يوثق علاقته بالقادة السوفييت، ومع انه انتقل بعد ذلك الى القاهرة ليعمل مديرا لمكتب الرئيس للشئون السياسية، ثم ينتدب وكيلا لوزارة الخارجية، قبل ان يعين سفيرا في الكونغو، إلا ان الرئيس عبدالناصر استدعاه فجأة في صيف عام 1961 ليخطره بأنه عين سفيرا في موسكو، وهو المنصب الذي امضى فيه عشر سنوات متصلة. علاقات متدهورة وكانت العلاقات السياسية بين البلدين تمر ايامها بأزمة عنيفة بسبب الصراع على زعامة حركة القومية العربية، بين الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم تدعمه الاحزاب الشيوعية العربية والاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وبين الرئيس عبدالناصر تدعمه الاحزاب القومية، والدول العربية التقليدية لكن ذلك لم يحل دون استمرار التعاون المصري السوفييتي في كل المجالات، وعندما وصل مراد غالب الى موسكو وجد المكاتب المتخصصة التي تشرف على تنفيذ الاتفاقات المتعددة بين البلدين تعمل من دون اي معوقات، على الرغم من الهجوم الاعلامي المتبادل بين الطرفين يستوى في ذلك مكتب السد العالي بمكتب المشتريات العسكرية، ومكتب التصنيع بالمكتب التجاري ومكتب الخبراء العسكريين بالمركز الثقافي. ولم يعرف مراد غالب إلا فيما بعد ان تعيينه سفيرا في موسكو لم يكن له صلة ـ فحسب ـ بالعلاقات المتدهورة بين البلدين، بل كان ـ كذلك ـ تعبيراً عن ازمة مكتومة في العلاقة بين الرئيس عبدالناصر والمشير عامر التي كانت قد بدأت في التدهور في اعقاب حرب السويس 1956 حين طلب عبدالناصر من عامر اقصاء القيادات العسكرية التي اثبتت عدم كفاءتها لكن عامر اصر على التمسك بها.. ثم ازدادت تدهوراً في اعقاب قيام مجموعة من الضباط السوريين الذين كانوا يعملون في مكتب المشير عامر بدمشق بتدبير الانقلاب الذي انتهى بفض الوحدة المصرية السورية. وكان عامر يرغب في تعيين اللواء نورالدين قرة له ـ رئيس مكتب المشتريات العسكري ورجله في موسكو ـ سفيراً لدى العاصمة السوفييتية، بل انه كان قد ابلغه بذلك فعلا، لكن عبدالناصر كما يقول مراد غالب ـ رأى ألا يضع اهم علاقاته الدولية، واكثرها حساسية، تحت سيطرة المشير، فعين نور الدين قرة وزيرا للتموين، واختار مراد غالب سفيراً له في موسكو، مما جعل المشير يتعامل معه لفترة باعتباره جاسوساً لعبدالناصر، الى ان قام بزيارة الى موسكو في العالم التالي، عقد خلالها عدة لقاءات بالقادة السوفييت حضرها جميعا مراد غالب، وكان يدون ما يجري بها، ويحرص على ان يسلم المحضر الذي كتبه للمشير في نهاية اللقاء، بدلا من ان يحتفظ به ليرسله عن طريق السفارة الى عبدالناصر. وهكذا ذابت الثلوج التي كانت تحول بين عبدالحكيم عامر، وبين التعامل معه بحرية وفتن مراد غالب بشخصية عامر البسيطة الودودة المتواضعة، ويقومان بنزهة في غابات موسكو حين تطرق الحديث بينهما، الى اهمية الديمقراطية في مصر، وكانت دهشة السفير بالغة حين قال له المشير عامر: وما الذي نستطيع ان نفعله وهناك في القاهرة رجل لا يرتاح إلا اذا رأى صورته يوميا في كل الصحف... واراد مراد غالب ان يخفف من الموقف فذكر له ان مجلة روز اليوسف قد نشرت كاريكاتيرا يصور الاسد داخل قفصه في حديقة الحيوانات، وقد شطبت ادارة الحديقة عبارة «الاسد ملك الغابة» وغيرتها الى «الاسد رئيس جمهورية الغابة» فاذا بالمشير ينفجر ضاحكا ويقول له: هو كذلك الملك صار رئيسا للجمهورية. في السنوات التالية تكررت الشواهد على ان المشير عبدالحكيم عامر، وحاشيته لا يتورعون في مجالسهم الخاصة، وحتى امام مسئولين آخرين في الدولة، عن التعبير عن ضيقهم بالرئيس عبدالناصر، ففي عام 1966 واثناء زيارة له الى موسكو صحب اثناءها صلاح نصر مدير المخابرات العامة، والفريقين سليمان عزت قائد البحرية وصدقي محمود قائد الطيران، ودخل عليهم مراد غالب وهم يتسامرون فسمع صلاح نصر يقول: مفيش فايدة طول ما الرجل ده قاعد لنا هناك، مش ح نعرف نصلح حاجة! ـ كاتب مصري