ترددت في اختيار عنوان هذا المقال. فهل أقول انتحار طالبان آم اقول انتحار افغانستان، وبما انني حريص على ما اعتقده الصدق اخترت انتحار افغانستان، لان الطالبان فصيل من قبائل البشتون. هذه البشتون التي كانت ولاتزال منقسمة الى قسمين كبيرين متصارعين هما: الغلزاي والعبدلي.. هؤلاء العبدلي الذي سموا بعد ذلك باسم الدراني، ويمثل البشتون تقريبا 43 بالمئة من الافغان، بينما يحتل الهزارة الشيعة وسط افغانستان ويستقر الاوزبك في الشمال على حدود اوزباكستان ويتقاسمون هذه المناطق مع الطاجيك على حدود طاجيكستان ويتعايش التركمان في الشمال الغربي على تخوم تركمانستان ويدينون بالولاء لعاصمتهم التاريخية عشق اباد. ويتوزع فيما عدا ذلك كل من الاسماعيليين والغرجيز والنوريستانيين على بقية التراب الافغاني. وحين تتأمل الخارطة الجغرافية لهذا الشعب الفسيفسائي، فإنك تقرأ تاريخه من خلال الجغرافيا، تتناثر المدن الكبرى كقلاع عتيدة شبه مستقلة لم يجمعها نفوذ مركزي إلا نادراً على مدى القرون: فما أبعد فايزاباد عن كابول وما ابعد باميان عن جلال آباد وما ابعد مزار الشريف عن قندهار وما ابعد حراة عن قندوز. والبعد الذي اقصده ليس بعد المسافة الجغرافية بل بعد الاثنيات والاعراق واللغات عن بعضها البعض في نسيج غريب اسمه افغانستان، اعلنت «استقلالها» عام 1919 وسنت دستورها «القومي» في مناخ دموي تميز باغتيال ملكين من ملوكها وقيام حركات تمرد مسلحة عديدة ومتعاقبة. ولم تستمتع افغانسان طول تاريخها بعشرة اعوام متلاحقة من الامن والاستقرار. ففي الواقع ليس هناك حدود لهذه الدولة لانها نسيج او شبكة من الاعراق المشدودة بالولاء واللغة والمصالح الى الدول المحيطة بالضرورة التاريخية والحتمية الجغرافية. ولا نجد دولة من الدولة المطوقة لافغانستان تفكر لحظة واحدة في استقلال افغانستان، إلا بما يخدم مصالحها. وكذلك الامر لجميعها بدون استثناء. باكتسان وايران وتركمانستان واوزباكستان وطاجيكستان. وبالطبع وراء هذا الطوق الاول، طوق ثان واخطر من الدول الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية المرتبطة بما يحدث في افغانستان. وهذا الطوق الثاني مكون من الهند وروسيا الاتحادية والصين. والصراع ما بين هذه الامبراطوريات الثلاث يظهر للعيان واضحاً كذلك في مقاطعة كشمير وبصورة متقطعة في احداث باكستان منذ ثلاثين عاماً. ان شخصيا عرفت افغانستان في العام 1978 عندما كنت اشتغل في مؤسسة جوان فريك للنشر واشتركت مع المثقف الافغاني المتميز نجم الدين بامات وكان يشغل منصب المدير العام المساعد لمنظمة اليونسكو، وذلك في اعداد كتاب عن مكة المكرمة والحج الى بيت الله باللغة الفرنسية، وعرفت من خلال ذلك الصديق بعض تاريخ افغانستان ومأساتها وهجرة ملكها ظاهر شاه. وكان الشاعر المسلم محمد اقبال ينعت افغانستان بنعت قلب آسيا، بينما كان يسميه اللورد كورزون نائب ملك الهند البريطانية بساحة وغى آسيا نظراً لتلاحق الحروب فوق سهولها وعلى جبالها. وكانت هذه الرقعة ذات 650000 كم مربع مسرحاً لكل النزاعات والازمات وهي تمضي من تطرف عرقي الى تطرف شيوعي الى تطرف ديني غير عابئة بأن الايام تمضي والشعوب تتغير والدول تتطور. يروي لنا الصحفي الكاتب احمد رشيد من باكستان وهو صاحب آخر كتاب قيم صدر بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بعنوان «ظل طالبان ـ دار نشر اوترومون الفرنسية» صدر منذ اسبوعين يروي لنا وهو الذي اشتغل في افغانستان يغطي احداثها على مدى عشرين عاماً، يروي قصة كنز الغاز الذي يملأ جوف آسيا الوسطى وهو يشكل مصير الطاقة في العالم، وكيف تتنافس بل تتصارع اكبر الشركات الامريكية من اجل الحصول على اذن بإنشاء شبكة انابيب لايصال الغاز الى باكستان ومنه الى العالم. يقول لنا احمد رشيد بأن الادارة الامريكية تساند شركة يونوكال UNOCAL الامريكية، ضد منافستها الارجنتينية / بريداس كوربوريشن BRIDAS CORPORATION. وقد عرف احمد رشيد بعض اسرار تلك المنافسة المتوحشة حين التقى برئيس بريداس كارلوس بيلجيروني بالصدفة عام 1997 وهو خارج من مقابلة مع احد زعماء طالبان، حاكم قندهار المولى محمد حسن. كان رئيس شركة بريداس يتفاوض مع المولى محمد حسن وبالطبع يريد ان يربح الصفقة وتعجب احمد رشيد من اللباس الغربي الفاخر وربطة العنق الانيقة والعطر المنبعث من هذا المستثمر «العولمي» وهو يخترق كهوف افغانستان في «صدمة» من صدمات الحضارات من اجل المصالح لا من اجل الثقافات. وعلى هذا المشهد نجد ان صراع القبائل والاثنيات قضى على الاراضي الزراعية فإثنا عشر بالمئة فقط من الارض الافغانية صالحة للزراعة.. وزراعة ماذا؟ زراعة الحشيش والمخدرات بنسبة كبيرة على مدى ثلاثين عاماً، فالحشيش هو الذي يمول حروب القبائل، وليس للمزارعين من بذور غير بذور نبات الخشخاش.. الى ان احتلت طالبان 90 بالمئة من الارض الافغانية في سبتمبر 1996 ومنعت ميليشياتهم زراعة الخشخاش وباعتراف الامم المتحدة والولايات المتحدة، تم القضاء نهائيا على تصدير المخدرات الى روسيا وامريكا وأوروبا، وافلست عصابات المافيا المتاجرة بالموت في هذه البقاع من الارض ولعلها بنسبة أو بأخرى كانت وراء ما يقع اليوم في افغانستان، حيث عادت بذور الخشخاش كذلك مع الموسيقى ومع التلفزيون! افغانستان كانت في العام 329 قبل الميلاد موطيء قدم لجيوش الاسكندر المقدوني، وفي العشرينيات من القرن الماضي موطيء قدم للامبراطورية البريطانية وفي السبعينيات موطيء قدم للروس، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين موطيء قدم للامريكان فمتى يحتلها الافغان؟ أم ستتواصل عملية انتحار افغانستان حتى توزع قبائلها بين الامم المحيطة بها؟ ان حوار الطرشان في فندق بون الالماني.. على اصوات قصف طائرات بي 52 لقندهار.. توحي بذلك. ـ استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر