في معظم شوارع الكويت تنتشر حملة اعلانية يراها الناس متمثلة في لافتات كبيرة، يملأ فراغ اللافتة شاب ينظر بعينين زائغتين يملؤهما الرجاء الموجه نحو الآخرين، وينداح على اللوحة عنوان كبير تحت تلك الصورة تقول كلماته: «لا تفهموني غلط، وهي حملة موجهة الى الاسرة والمجتمع تحثهما على العناية بالابناء والانتباه العاجل والمكثف لقضاياهم، ومراقبة الشباب في كل انشطتهم والعمل على تثقيفهم وزيادة وعيهم، بحيث لا يقعون فريسة لتلك السموم المهلكة، التي انتشرت بين الشباب بصورة مخيفة، ونقصد بالطبع آفة المخدرات بأنواعها، بعد ان غدت تشكل هاجسا مزعجا للمجتمعات بما تسببه من أخطار في قطاع كبير من الشباب، الذين فقدوا حيويتهم وطاقتهم، وهم ـ بعد ـ صغار السن، بل ان بعضهم يفقد حياته ذاتها غرقا في هذه الادخنة الزرقاء الملعونة واختناقا بجرعة من جرعاتها الجهنمية! ولاشك في ان هذه الحملة لها من الآثار الايجابية ما يجعلنا نشكر القيمين عليها ونشد على ايديهم، فهي حملة تسعى الى انقاذ بعض الشباب المغرر بهم الذين ألجأتهم ظروف سيئة وصحبة خاطئة الى المضي في ذلك الطريق المظلم المدمر للفرد والمجتمع على السواء وهو ما يرمي اليه ـ مع الأسف ـ قلة من الاعداء الحقيقيين للمجتمع، الذين لا يشغلهم سوى الربح الحرام حتى لو ادى هذا الى اغراق البلاد في بحر من المخدرات وكأنهم لا يعرفون ان هذا الفعل من شأنه ان يهدر مستقبل البلد والمجتمع من خلال اهدار طاقة الشباب في هذه الهوة التي لا قاع لها. ولان الادمان على المخدرات يشكل مرضا خطيرا يؤدي الى ابادة المتعاطي في نهاية المطاف، لذا يتكاتف المجتمع لمحاربته واظهار مساوئه ونشرها على نطاق واسع، والكشف عن دور رفاق السوء الذين يغرون جماعات الشباب وافرادهم ويسهلون لهم الطريق للتعامل مع المخدرات والادمان عليها تحت ذرائع عدة وشعارات متباينة. ولكن ألا تشبه هذه الحالة التي تحدثت عنها في السطور السابقة، حالة هؤلاء الذين يجلسون مع جماعات الشباب من ابنائنا ويزينون لهم السفر الى افغانستان، ويغرونهم بشعارات مختلفة، تدفعهم دفعا ليكونوا وقودا رخيصا لمعركة خاسرة لا هدف من ورائها ولا غاية تنتظرها سوى مزيد من الدمار والهلاك لهؤلاء الشباب الذي ملئت عقولهم بأوهام لا تختلف كثيرا عن أوهام المخدرات، وعششت في ادمغتهم شعارات اكثر ضبابية من حالة «التوهان» التي يسقط فيها مدمنو «الكيف» (!). ولا غرابة في عقد المقارنة بين هاتين الحالتين فكلتاهما مهلكة للشباب، ومضيعة لطاقاتهم، ومهدرة لمقدرات المجتمعات في سبيل سراب، وهو الامر الذي يجعل المجتمع يذرف الدمع على هؤلاء المساكين سواء الذين سقطوا في ظلمة المخدرات، وأولئك الذين سقطوا ضحايا لشعارات غامضة تغيب العقول، وتزهق الارواح (!). ان كنت لا اعرف ـ على وجه التحديد ـ كم يبلغ عدد الشباب من ابنائنا الذين يقعون ضحية الآفة الاولى «المخدرات»، إلا انني اعرف ـ على وجه اليقين ـ ان اضعاف هذا العدد يسقطون ضحية للاستحواذ على عقولهم، وحشوها بثقافة خطأ، من قبل اناس وظفوا شعارات براقة تجذب الشباب من اجل تحقيق مصالح شخصانية لهؤلاء المضللين الذين يدفعون بجموع الاغرار في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ثم انها معركة يخوضها طرفان غير متكافئين، احدهما يقاتل بالاسلحة الخفيفة من بندقية وما اشبهها، فيما الآخر يحارب بطائرات تند طرزها عن الحصر، وقد حملت بمئات الاطنان من القذائف ـ فأي معركة هذه التي يزج البعض فيها بأبنائنا تحقيقاً لأوهام لا تنتمي الى عصرنا، ناهيك عن عدم انتمائها للغة المنطق وقواعد التفكير العلمي (؟!) ـ والسؤال الذي اصبح ملحا في هذه الايام، وآن الآوان لوضع اجابة صارمة وحاسمة له: اذا كان القانون ينزل بمروجي المخدرات اقصى العقوبات لتسببهم في تغييب عقول ابنائنا عن واقعهم، وابعادهم عن طريق الجدية والعمل الذي يحقق لهم المستقبل المبتغى، أفليس من المحتم ان يعاقب هؤلاء الذين يضللون الشباب ويملأون عقولهم بأوهام ضبابية لا يفيقون منها إلا ليلقوا حتفهم بعيدا عن اهليهم ووطنهم، ولمصلحة قضية تهم قلة من الاشخاص وان تمسحت بمسوح الدين، وارتدت زي المثالية، وادعت انها تسعى لنشر الاسلام بالسيف في ارجاء العالم؟! فإن كنا نشكر الحملة التي تقاوم ادمان المخدرات، وتذكر بمآسيها التي قد تعود الى الفرد وذويه فإننا نتطلع الى حملة ربما تفوقها اهمية، وهي حملة تجابه تضليل العقول وتثقيف الشباب الثقافة الخطأ، وتحول دون ملء عقولهم بقضايا وهمية، تنتهي بضياعهم ليس وحدهم ولا معهم ذووهم فقط، ولكن تعود بالضرر الفادح على مجتمعهم قاطبة، وربما الى درجة تهديد مصالحه العليا، ولاشك في ان العقلاء يعرفون جميعا كيف ان احداث سبتمبر وما تلاها اسفرت عن تخريب الاقتصاد العالمي، وخاصة الاقتصادات العربية حيث غدت الغالبية العظمى من المواطنين العرب «وخاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة» يعانون اشد المعاناة من جراء هذه الاحداث، ناهيك عن التأثيرات السياسية وغيرها، التي لا تقل ضراوة على مجتمعاتنا من التداعيات الاقتصادية. والمفارقة ان استعداد بعض الشباب لهاتين الآفتين: المخدرات والارهاب، ينبع من رغبة متعمدة ـ في الحالتين ـ الى تدمير الذات والغير، نتيجة قدر كبير من الكراهية يملأ القلب والعقل حيال الواقع تارة، وحيال العصر كله تارات.. ففي حالة المخدرات، يتلقف المروجون هؤلاء الشباب اليائسين الكارهين لحياتهم، المتبرمين بواقعهم، فيقدمون لهم هذه الآفة لتخلق لهم واقعا بديلا عن الواقع الذي كرهوه، وابغضوه فيحطمون انفسهم وذويهم، وهم يبحثون عن السعادة الزائفة بينما في الحالة الثانية فإن مزيفي الافكار والشعارات يتلقفون الشباب ويزرعون في ادمغتهم ايديولوجيات متعصبة، تدعي احتكار الصواب وحدها، محملة بالكراهية تجاه العصر والآخرين، فيزيدون الشباب جهلا وضلالا، ويدفعونهم الى التحطيم الذاتي للنفس وبالتالي للاوطان، وهم يظنون كذلك انهم في طريقهم الى تغيير العالم(!!) فهل نقول ان الادمان في الحالتين، حلقة فولاذية تضرب حول الشباب المسكين، وكأنما هناك من يتعمد تغييب شبابنا واجيالنا القادمة، مرة في لجة المخدرات، واخرى في مستنقع الضلال والزيف والكراهية العمياء؟! ويبرز خطر الكراهية للذات وللغير في اللحظة التي تحدث فيها قطيعة بين ما هو ثقافي وما هو مقدس، اي عندما يضعف او يختفي البعد الروحي للثقافة وحين يسيطر الخمول الاخلاقي على المجتمع، فيعجز حكماؤه عن الجهر بالقول الصحيح سواء مجاراة للموجة او تحوطا لمنفعة او خوفا من ضرر، فتضعف قدرة المجتمع على تحسس الفروق الفاصلة بين الشر والخير، وحينئذ يدخل المجتمع في سبات يعرض شبابه الى التهلكة ومستقبله الى الضياع. اننا حين ندعو الى نشر الثقافة والمحبة والتساند والتعايش مع الآخر، انما ندعو الى قيم اصيلة في تاريخنا الفكري والعربي والاسلامي، فالدعوة الى الحوار بالتي هي احسن، واعمال العقل في القضايا، والتسامح حتى مع المخالفين تمثل قواعد ارتكاز في ثقافتنا، الى حد ان اسلافنا كانوا يقولون «فلنجتمع حول ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا الى ما اختلفنا فيه» وهي القيمة العظيمة التي يغفل عنها «بعضنا» اليوم فيلحون في اظهار نقاط الخلاف ويثيرون الكراهية والبغض في نفوس اتباعهم، ويسرفون في الحديث عن السلبيات، وكأنهم ينظرون بعين واحدة هي عين السخط، وفي النهاية يهربون الى المآسي متشبثين بأفكار ومقولات تنتمي الى التاريخ البعيد، اكثر من انتمائها للواقع المعيش، ويتمسكون بثقافة نكوصية، غاضين الطرف عن عصرنا الذي تغيرت فيه معالم الحضارة وتبدلت العلاقات السياسية والاقتصادية، وسادت فيه قيم انسانية جديدة لا مجال لمقاومتها. ويتناسى هؤلاء ان قيم التسامح والحوار والقول اللين، كانت دائما مزدهرة عندما بلغت الحضارة الاسلامية اوج ازدهارها، بينما تراجعت وحلت محلها قيم التعصب والكراهية حين اصاب المسلمين التخلف الحضاري، والخمول الثقافي وضياع الاهداف الحقيقية للأمة، ليتجه الشباب الى ادمان المقولات الضبابية التي تحدثنا عنها! من اجل هذا كله غدا من المهم والضروري ان يدرس مجتمعنا بكل مستوياته الرسمية والاهلية، العوامل والظروف التي تجعل شبابا في عمر الورد يقتل نفسه سواء عامداً وواعياً او ساهياً وغافلاً، بخوض معارك خاسرة وغير متكافئة تحت شعارات هلامية، وان كنا نحتاج الى حملة توعية ضرورية ولازمة تكشف للناس اخطار المخدرات فإننا نحتاج الى جانب هذه الحملة ـ وربما قبلها ـ الى حملة اكثر ضرورة ولزوما، تنشر في المجتمع، من خلال القنوات الثقافية والاعلامية، كثيرا من القيم الاصيلة في تراثنا، واهمها قيم الحوار والتسامح والتعايش مع الآخر، وهي قيم لو سادت مجتمعاتنا لقطعت الطريق على هؤلاء الذين يرتكبون جناية جسيمة في حق شبابنا، بدفعهم الى خوض معارك لا يجنون من ورائها إلا الموت او الغيبوبة.. حملة تكشف الظروف الاجتماعية والنفسية التي تزين لهؤلاء الانخراط في هذه التنظيمات المعادية للحضارة، الكارهة للتقدم المنغلقة على نفسها، المتقوقعة في فكر مغلوط يدعون له العصمة والصواب المطلق! لقد اثبتت التجربة انه اذا توارى الضمير الديني الصحيح خلف شعارات سياسية او فهم خاطيء، واذا اختبأ الضمير الثقافي خلف المداراة والمسايرة، فستضمر قدرة الناس على فرز الخطأ من الصواب، وستضيع الخطوط الفاصلة بين الخير والشر، وهو امر يمثل مناخا خصبا ـ مع الاسف ـ تنمو فيه الرغبة المدمرة في ابادة الذات سواء بإغراقها في ادخنة المخدرات او في تهويمات الشعارات الضالة والزائفة. ـ امين عام المجلس الوطني _ للثقافة والفنون والآداب بالكويت