يغيب العرب أنفسهم هذه الأيام عن كل المفاصل والنقاط التاريخية التي يتم فيها اعادة صياغة التاريخ في بداية الألفية الجديدة، فقد غابوا عن مؤتمر بون، حيث ستتوزع مناطق النفوذ في قلب آسيا على فصائل النزاع في افغانستان، مؤتمر بون في ظاهره يتباحث المجتمعون تحت عنوان كبير يعلقونه كخلفية ديكورية للاجتماع «أفغانستان.. خيارات السلام وما بعد الحرب» اما في باطنه وحقيقته فليس سوى سيناريو طبق الأصل لاتفاقية سيئة السمعة يحفظها العرب الذين مازالت لذاكرتهم فترة صلاحية اخرى هي اتفاقية (سايكس/بيكو).. بين بريطانيا وفرنسا عندما تقاسمتا توزيع الرقعة العربية كمناطق نفوذ بينهما بعد الحرب العالمية الأولى! غاب العرب عن واشنطن، عاصمة قرار العالم، لأنهم مرفوضون تماماً هناك، في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش صراحة انه «يستقبل شارون وهو مليء بالفخر والشرف» ويرفض استقبال ابن لادن الفلسطيني.. ياسر عرفات كما يصفه شارون وحكومته وشعبه مطالبين باخراجه من الاراضي الفلسطينية تماماً. غيب العرب انفسهم لأنهم صدقوا تماماً انهم ارهابيون ثبتت عليهم التهمة، وبأن جيوش (السي.آي.ايه) ومكتب (التحقيقات الفيدرالية) و(البنتاجون) قد قبضت عليهم جميعاً متلبسين بالجرم المشهود في جبال افغانستان وطرقات قندهار وطالقان وقندوز و.... أو كأن بصمات (260) مليون عربي قد وجدت على كل المطارات الامريكية، وطائرات البوينج 767، وركام مباني البنتاجون وبرجي المركز التجاري المنهارين! وبرغم قيامة (اسرائيل) الأيام الماضية، ومئات الجرحى والقتلى في العمليات الاستشهادية، وبرغم غضبه واختصار زيارته الاخيرة الى واشنطن التي عاد منها شارون سريعاً لمتابعة الأحداث الاخيرة، برغم ذلك، فنحن نجزم انه ما من جهة اكثر رضا وابتهاجاً وانتصاراً وتربحاً من كل هذا الذي يجري اكثر من (اسرائيل). (اسرائيل) اليوم تعي انه ما من دولة او حكومة او قوة مؤثرة في سير الأحداث واتخاذ القرارات وما من رئيس او رئيس حكومة او... إلا ويقف وبقوة داعماً وموالياً الموقف الامريكي ضد الارهاب، الذي استنسخت منه (اسرائيل) نسخة كربونية فصارت هي الاخرى تعاني من (الارهاب) الفلسطيني وتطرح بشدة اسم عرفات باعتباره (ابن لادن) الارهابي الذي يجب الخلاص منه وصولاً لانهاء الارهاب. (اسرائيل) وواشنطن اليوم أكثر من حليفين استراتيجيين تقليديين كما كانا سابقاً، اليوم اصبحا شيئاً واحداً واقرب لبعضهما البعض من اي لحظة اخرى، يعانيان الخطر نفسه (الارهاب العربي الاسلامي) ولديهما عدو متمثل برجل يدعم الارهاب ويفرخه ويؤسسه ويرمز له (ابن لادن وعرفات) وكلاهما ابتداء دول ترمز للتحضر والتقدم والديمقراطية والحرية!!! و(تناضلان) ضد قوى الجهل والشر والظلام، (العرب والمسلمين)!! ليس على العرب سوى ان يرفضوا تصديق الكذبة الكبرى التي تلبسوها باستسلام ساذج، ليس عليهم سوى ان يدفعوا بالتهمة الباطلة بعيداً عنهم، ليس أمامهم سوى ان يتعاملوا مع الآخر من منطلق القوة وبمنطق الحق والدليل والبرهان.. وإلا فإن البحر محيط والطوفان عاتٍ، والعدو لا يرحم ابداً لأننا في عصر صراع الارهاب لا عصر قتال الفرسان النبلاء!! aishasultan@hotmail.com