اسرائيل تحاصر المدن الفلسطينية.. وجورج بوش يصرخ في القيادة الفلسطينية مطالبا باعتقال نشطاء فصائل المقاومة.. وتتجاوب السلطة الفلسطينية فتأمر عناصر اجهزة الامن التابعة لها لتتعقب النشطاء.. وتلتزم الحكومات العربية سكوتا تشجيعيا. والمشكلة اذن هي: كيف تواصل فصائل المقاومة تلبية نداء الواجب النضالي دون ان تشتبك مع قوات السلطة الوطنية في صدام مسلح؟ بعد كل عملية استشهادية ضد اسرائيل تنفذها «حماس» أو «الجهاد» أو «فتح» أو «الشعبية» كرد فعل على عمليات الاغتيال الاسرائيلية ضد الكوادر النضالية الفلسطينية تستأنف القوات الاسرائيلية عملياتها الاغتيالية وتشدد الحصار على الشعب الفلسطيني في المدن، وفي الوقت نفسه ينهض الرئيس الامريكي ليعزي الاسرائيليين عامة وأسر ضحايا العمليات الاستشهادية من ناحية ويطالب القيادة الفلسطينية باعتقال «الارهابيين» من ناحية اخرى. لكن الرئيس الامريكي لم يعز الفلسطينيين في مصرع ابو علي مصطفى أو محمود أبو هنود.. ولم يطالب الحكومة الاسرائيلية بتوقيف ومحاكمة الضباط الاسرائيليين الذين يغتالون الكوادر الفلسطينية. مع ذلك فإن المسلك الاسرائيلي والمسلك الامريكي «مفهومان» فلسطينيا وعربيا. مسلك القيادة الفلسطينية هو الذي يستعصي على الفهم. عندما يعزي الرئيس الامريكي الاسرائيليين حكومة وشعبا فلأن الولايات المتحدة واسرائيل اسرة واحدة. وانطلاقا من هذه الوشيجة المعززة بشراكة استراتيجية مصيرية ومستديمة تعتبر منظمات المقاومة الشعبية الفلسطينية كيانات ارهابية ليست جديرة إلا بالابادة. وعندما اقرت الادارة الامريكية قبل نحو اسبوعين بأن فلسطين ارض «محتلة» على نحو ما ورد في خطاب لوزير الخارجية كولن باول وصف بأنه «تاريخي» فإنها كانت تستخدم الفاظا فارغة من اي معنى سياسي، فلو كانت واشنطن تعني حقا ما تقول لطالبت اسرائيل بالانصياع للشرعية الدولية المتجسدة في قرارات صريحة تنص على تصفية الاحتلال الاسرائيلي، ولحشدت بوارجها وطائراتها لمعاقبة اسرائيل على نحو ما جرى في العراق ويجري في افغانستان. ولو كان خطاب باول وثيقة امريكية ذات مسئولية ضد احتلال اراضي الغير استنادا الى مباديء القانون الدولي لما اعتبرت الولايات المتحدة المقاومة النضالية الفلسطينية ضربا من الارهاب. ولكن اذا كان تصنيف واشنطن لقادة وكوادر المقاومة الفلسطينية بأنهم ارهابيون وليس مقاتلين من اجل التحرر يتسق تماما مع الالتزام المصيري الامريكي تجاه دولة اسرائيل وبقائها كقوة صهيونية على اراض عربية فمن اين ينطلق مسلك قيادة السلطة الفلسطينية عندما تتناغم مع المطالبة الامريكية والاسرائيلية في تعقب واعتقال الكوادر المنتمية لفصائل المقاومة الفلسطينية؟ ان مجرد توجه السلطة الفلسطينية نحو اعتقال مواطنين فلسطينيين عقب كل عملية استشهادية يمكن ان يفسر بأن رؤيتها للمقاومة الشعبية تنطبق مع الرؤية الامريكية وإلا فلماذا تنشط اجهزة الامن الفلسطينية لمطاردة مدبري العمليات الاستشهادية ان لم تكن ترى ان نشاطهم هذا يعتبر ممارسة ارهابية؟ على ان هذا الاستخلاص يجب ألا يعتبر استعداءً لقيادات فصائل المقاومة لتواجه السلطة وقواتها، ومع ذلك تبقى المعضلة الكبرى. فأي مواجهة بين المقاومة والسلطة تفضي حتما الى حرب اهلية.. بينما صبر المقاومة على السلطة سيكون حتما على حساب انطلاقة المقاومة. انها مسألة لن يجيب عنها إلا الزمن.