قديما قيل: «اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب» وهو امر لابد صحيح، ليس فقط لزمانه بل وايضا في زماننا الحاضر، خاصة في وقت تحرم فيه الكثير من الطبقات الاجتماعية من الكلام المفيد والادلاء بآرائها الحرة في اطار المشاركة في صناعة القرارات وصياغتها النهائية في بلداننا، في حين يؤكد علينا ضرورة التلقي الصحيح للاوامر واطاعة من هم فوقنا من المسئولين دون نقاش! ودائما بسبب الظروف الحساسة والخطيرة التي تمر بها بلادنا والتي لا تسمح بفتح باب المناقشة والديمقراطية على مصاريعها. من جهة اخرى فان التقدم العلمي والعصرنة وثورة المعلومات والاتصالات تفضي بنا الى الاهتمام بمقولة الكتابة وتدوين الآراء والافكار على الورق او الحاسوب وايصالها الى من يهمه الامر سائلا او مسئولا من طرف واحد، اي دون تمحيص بواسطة الكلام والكلام الآخر. وفي ظل تقدم آليات العمل الديمقراطي والحزبي والبرلماني وثورة الفضائيات، قد تبدو كتابة نص وارساله الى الناشر لعرضه على القراء امرا مخالفا للعصرنة او العصرية بسبب غياب النقاش والحوار بين الرأي المطروح والرأي الآخر المكمل له او الناقد او المنفعل او المتفاعل او المعاكس والمصطدم معه. ومرة اخرى فانه ومع تطور علم الفضائيات اذا جاز لنا مثل هذا التعبير، فان الامم والشعوب قد تتجه من جديد الى ثقافة الشفهي على حساب المكتوب والمدون، اذا ما رأيت ان ذلك افضل وانجع لها في معالجة مشكلاتها وربما تسيير انظمة حكمها. سحر الكلام قرأت في احدى المجلات العربية المتخصصة تقريرا لوكالة انباء امريكية عن شعب الـ «سيماي» الماليزي يشرح فيه اهمية الكلام وبابه المفتوح للجميع في حل مشكلات المجتمعات ومنع الحروب يقول التقرير. «افراد شعب الـ «سيماي» لا يتعاركون ابدا، وفي كل مرة يقع خلاف بين افراد قبيلتين من هذا الشعب في ماليزيا يبجل النزاع بالكلمات .. الكثير من الكلمات. زعيم القرية يدعو الى عقد اجتماع لمناقشة الخلاف وكل من له رأي في الامر بوسعه ان يتكلم بصوت عال. والحقيقة ان كل من له رأي يتكلم وقد يستمر النقاش لعدة ايام، ويبدو ان التكرار له حسناته. وعندما ينتهي الكلام في النهاية يصدر زعيم القرية قرارا، ويأمر جميع الحاضرين والمشاركين بعدم الحكي عن الخلاف ابدا وهكذا تنتهي الامور. هذا التقرير ذكرني كذلك بما نقله لنا المناضل العالمي الكبير نيلسون مانديلا في كتابه الشهير «طريق الحرية»، وهو يشرح لنا الطريقة التي كانت تتبعها زعامة قبيلة التيمبو الافريقية الشهيرة لحل مشكلاتها في بداية القرن العشرين فيقول: «كنت اراقب والاحظ واتعلم من اجتماعات القبائل التي كانت تعقد بانتظام في مكيكزويتي .. كانت الاجتماعات مفتوحة لجميع ابناء التيمبو وكانت اعداد غفيرة منهم تحضر الى الاجتماعات على ظهور الخيل او مشيا على الاقدام .. في تلك الاثناء كانت تتاح الفرصة لكل من يرغب في الحديث ان يتكلم لقد كانت ديمقراطية اصيلة وكان الاساس الذي يقوم عليه ذلك النظام هو حرية الجميع في التعبير عن آرائهم .. كم كانت دهشتي في الايام الاولى لشدة الصراحة التي يصل اليها الحاضرون في انتقادهم للسلطان، ولم يكن السلطان قط فوق النقد بل انه غالبا ما يكون الهدف الرئيسي له، ومهما بلغت خطورة التهم الموجهة اليه كان ينصت لما يقال دون ان يهب للدفاع عن نفسه او تظهر على وجهه ملامح الانفعال والتأثر. يتواصل الاجتماع حتى يصل المشاركون الى نوع من الاجماع فاما اجماع والا فلا. وربما كان الاجماع على عدم الاتفاق فيؤجل البت في الموضوع الى وقت انسب يتحقق فيه التوصل الى حل. كانت الديمقراطية تقتضي ان يستمع الجميع لكل الآراء وان تتخذ القرارات بصورة جماعية، وليس بالاغلبية التي كانت تعتبر مفهوما غريبا لانه لا يجوز ان تسحق الاقلية امام الاغلبية. وعندما يقترب الاجتماع من نهايته وتميل الشمس الى الغروب، يقوم السلطان ليتحدث فيلخص ما قيل ويحاول التقريب بين ما طرح من آراء مختلفة تمهيدا لبلورة رأي يمكن ان يجمع عليه الحاضرون، غير ان الاجتماع لايفرض رأيا معينا ان وجد من يعارضه، واذا لم يتحقق الاتفاق يؤجل الامر الى اجتماع آخر، ويختتم المجلس بقصيدة تمدح امجاد الملوك القدامى، فيها مزيج من الشكر والهجاء للزعماء الاحياء فيهتز المجلس بضحك الحاضرين وفي مقدمتهم السلطان نفسه. وها ينتهي كلام السيد مانديلا، الذي ارتأيت ان انقله كاملا وكما هو لاهميته حتى يعرف المتتبعون للتطورات في بلداننا كم كانت قبائل التيمبو الافريقية في بدايات القرن المنصرم تعيش اجواء حافلة بالديمقراطية وكم نعيش نحن بالمقابل في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات او ما نسميه بعصر مابعد الحداثة والسوبر ديمقراطية في الالفية الثالثة في اجواء ابعد ما تكون عن اجواء قبائل التيمبو! ضياع مزدوج والفضل كل الفضل فيما نحن فيه بنظري هو في انبهارنا الشديد غير المبرر بكل ماهو آت من الغرب، وانفصالنا او انقاطعنا او رفضنا التام لكل ماهو قديم او من تراثنا بحجة انه من الماضي ولا يصلح للعصر الراهن، فاصبحنا عمليا كالطائر (الغراب) الذي اراد ان يقلد مشي الحجل، فنسي مشيته الاصلية ولم يتعلم مشي الحجل، فضيع الطريقين. وبزعمي المتواضع اننا في منطقتنا وبلادنا العربية والاسلامية قد نسينا او تناسينا فضل الكلام، وتعاطي الكلام في اطار الادلاء بآرائنا في المجالس التي عرفتها مجتمعاتنا ولا تزال في البعض من بلداننا موجودة ولو بشكل محدود او مبتور، ولم نطورها او نحولها الى آلية قادرة على تمثيل حيوية شعوبنا وامتنا الكبيرة، واتجهنا بالمقابل الى تقليد الغرب ومحاولة اسقاط ما يمله من نسخ صالحة لمجتمعاته في اطار الديمقراطية ، هكذا بصورة فجة وتقليدية محضة فضيعنا الطريقين. ومما زاد في الطين بلة، اننا ماكدنا نتعلم طريقة الغرب في التدوين والكتابة واعتماد النصوص الخطية حتى بدأ الغرب نفسه يكتشف فوائد الكلام وتعاطي الرأي والرأي الآخر، ومن خلال تطور الفضائيات وصار صاحب المدرسة الكتابية العصرية يحن الى مدارس شعب الـ «سيماي» الماليزي وقبائل التيمبو الافريقية. ومرة اخرى صار ينطبق علينا المثل الذي يقول «رايحين للحج والناس راجعة منه»، وقد يأتي زمان ليس ببعيد كما اظن قد نضطر فيه للقول: اذا كانت الكتابة من فضة فالكلام من ذهب. واخيا نقول: ان من دواعي الاسف حقا ان يكون اتخاذ القرار في قبائل التيمبو الافريقية قبل نحو سبعين عاما من الآن بشهادة مانديلا، على اساس اقناع الجميع فيما يصبح في عصر الالفية الثالثة على اساس وقاعدة اسكات الجميع. ـ محلل سياسي ايراني