رغم اننا لا نحب الكاتب الامريكي الشهير «ويليام سافير» ونكره فيه تعصبه لآرائه السياسية ومعظمها معاد للعالم الثالث ونحن بالطبع من زمرتها، الا اننا نحرص على متابعة اجتهاداته التي ينشرها بدأب عجيب كل اسبوع وفي مجال مازال موضع اهتمامنا الشخصي وهو مجال اللغة.. تطورها وثراء ألفاظها وتحولات استخدامها وتنوع الاغراض المستجدة على متنها ويعلم الله اننا نتابع المذكور اعلاه بقدر لا نخجل من الاعتراف به من الغيرة الشخصية بل والقومية في بعض الاحيان. هي غيرة شخصية بمعنى انها مهنية.. فها هو كاتب زاد على السبعين بكثير ورغم انشغالاته واهتماماته السياسية التي يعبر عنها في جريدة «نيويورك تايمز» الا انه مازال حريصاً على ان يكتب بابا ثابتاً في اسبوعية «التايمز ماجازين» الصادرة كل احد بعنوان «عن اللغة» وكم اكتشفنا ان هذا الباب يتابعه ـ على تواضعه ـ قوم كثيرون. وهي غيرة قومية تصدر عن شغفنا المدنف بلغتنا العربية الجميلة الشريفة ورغبتنا في ان تظل قادرة على مواكبة مستجدات بل تحديات هذا الزمن الصعب الذي نعيش فيه بما يطرحه كل صباح من افكار جديدة تقتضي مصطلحات وتعابير جديدة والا تحجرت اللغة او اصيبت ـ بعيد عن السامعين والقارئين ـ بآفة تصلب الشرايين على ان ميزة «ويليام سافير» تتمثل في انه لا يبحث في اللغة من منظور معجمي او برؤية قاموسية كما قد نسميها انه يرصد تطورات الاحداث ومستجدات القضايا ومتغيرات الاداء اللغوي سواء جاءت على ألسنة كبار القادة او نجوم الاعلام ودهاقنة الاتصال الجماهيري ومن ثم فهو يخضع هذا كله لمبضع التحليل والربط ويخرج منه باضافات يراها مبتكرة او جديدة او جديرة بأن تثري عمود الانجليزية وتضمن لها ان تسري باستمرار ضمن تيار متدفق بالحيوية يجدد لها عافيتها وخلاياها وقدرتها على اداء ما يشاء الناطقون بها من اغراض، آخر «تفانين» الاخ سافير كانت عن موضوع مازال ينال اهتمام الكثيرين في وطننا الكبير وفي خارج الحدود على السواء والموضوع هو ببساطة «الشارع العربي» (نيويورك تايمز ماجازين، عدد 25/11/2001). وما كان لهذه العبارة ان تجد طريقها الى المرصد اللغوي عند صاحبنا الامريكي لولا أنها ترددت مؤخراً في أدبيات السياسة الامريكية وسط الاحداث والأزمات الراهنة وقد ترددت وسط سياق يقول: «ان على امريكا ان تجهد من اجل ان تفوز بعقل وقلب.. الشارع العربي». واذا كان المقصود بشكل عام هو الناس، عامة الناس.. غمار الناس.. جمهرة الناس في العالم العربي فإن مراقبين في الولايات المتحدة لاحظوا ان اول استخدام للعبارة بهذه الصياغة المحددة كان في عام 1956 حين نشبت ازمة السويس بعد تأميم الزعيم عبدالناصر لقناة السويس في يوليو من ذلك العام في هذا الصدد يقول الكاتب الأمريكي «ج يانسن» (في جريدة لوس انجلوس تايمز): خلال أزمة السويس عام 1956 كان «الشارع العربي» في كل عاصمة عربية ينتفض ويموج بمظاهرات شعبية (ضد الانجليز والفرنسيين على وجه الخصوص وتأييداً لحق القاهرة في استرداد ملكيتها لقناة السويس). أهل الغرب يستخدمون عبارة «الشارع العربي» ومنهم من كتب مؤخراً ليستعيد ذكريات الستينيات بالذات يقول ان «الشارع العربي» كان يعني جماعات الرجال الذين يتحلقون حول الموائد المتربة في المقاهي البسيطة في العواصم العربية يناقشون كل شيء، السياسة والاقتصاد والفنون والعلاقات الدولية وكم كانت هذه الجماعات تتحول وقد استبد بها الحماس الى جموع حاشدة ومظاهرات شعبية تعلن رأي الناس في مجريات الأمور. لكن ثمة صياغة مقابلة كانت تستخدم داخل الوطن الكبير ويفضلها اهل الثقافة من اليعاربة في منتديات بيروت او دمشق او القاهرة او بغداد وهي عبارة «الجماهير العربية» والغريب ان يلاحظ الكاتب «سافير» ان اضنى الدهر على عبارة «الجماهير العربية» وكادت تزول دولتها ويخفت صوتها بعد ان غربت شمس الاتحاد السوفييتي وربما اتضح ان العبارة المذكورة لها رنين او جرس ماركسي او سوفييتي لم يعد له محل من الاعراب فكان ان عادت للظهور من جديد حكاية «الشارع العربي» آراب ستريت كما يقول الناطقون الانجليز. ومن عجب ان لفظة «شارع» تحتل في قاموس العربية مكانة محترمة بقدر ما ان نظيرتها «ستريت» تحتل نفس المكانة في معاجم الانجليزية سواء بسواء. «ستريت» الانجليزية تعود الى كلمة ستراتا في اللاتينية وهي تعني الطريق الممهدة التي جرى تسويتها وتم تعبيدها وربما انتقلت الينا في عربيتنا الشريفة على شكل كلمة «الصراط» بنفس المعنى ـ الطريق او السبيل ـ في حين ان قرينتها في العربية وهي «الشارع» تعني الطريق الرئيسية وليس مجرد اي سكة او اي سبيل وكما ان الناس درجات فالطرق ـ بعد اذنك ايضاً ـ طبقات ومقامات، وكم تحفل اجروميتنا في الحياة اليومية بمصطلحات تبدأ عن القاع بالعطفة وهي من الطرق اصغرها وادناها درجة وبعدها تكون الحارة وبينهما يكون الزقاق والدرب والشرم وقد يعني الطريق الضيقة التي تكاد بيوتها تتلامس «ممسكات بعضها من الذعر بعضاً» كما عبر يوماً أمير الشعراء. مع ذلك فالحارة عند المصريين هي توصيلة صغيرة تقل في وجاهتها ودرجتها عن الشارع ولكنها عند اهل الشام في سوريا ولبنان قد تعني الحي الكبير (حارة حريك في بيروت مثلاً) وهذا هو المعنى الذي ذهب اليه مؤرخون قدامى لأحوال مصر والقاهرة مثل المقريزي والعيني والجبرتي حين تكلموا عن حارة اليهود في القاهرة القديمة وكانوا يقصدون طبعاً الحي الذي كان يحوي مساكن اليهود ودكاكينهم ومعابدهم وسائر مرافق معايشهم لدرجة اننا نترجم «الجيتو» الحي اليهودي المنعزل في عواصم العالم باسم حارة اليهود. واذا كان الزقاق ادنى درجة من الحارة ومن ثم فهو لا يطاول الشارع في شيء فقد رد العم نجيب محفوظ الاعتبار الى الزقاق الذي ارتبط اصلاً في اذهاننا بالطريق المسدود وذلك حين اصدر رائعته الشهيرة باسم «زقاق المدق» وكان يعني بها شريحة متكاملة من حياة القاهرة وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية.. دكاكينها وصعاليكها وسراتها وفقرائها ومآسيها (ربما تلاحظ شغف نجيب محفوظ بالأماكن، الطرق والسكك بالذات، اقرأ عناوينه مثل الزقاق وبين القصرين وميرامار والقاهرة الجديدة بل ان واحدة من اهم رواياته تحمل عنوان «الطريق»). من ناحيتهم يربط الامريكان بين عبارة «الشارع العربي» وبين «الرأي العام العربي» ولكن لديهم عبارة في الانجليزية المعاصرة فيها ولا شك اساءة الى العرب منذ ان استخدمها سير ارثر كونان رويل مؤلف «شيرلوك هولمز» وكان ذلك بالتحديد عام 1887 حين صدرت الرواية الاولى في تلك السلسلة البوليسية الشهيرة والعبارة هي: «ستريت اراب» ويمكن ترجمتها على انها العربي ابن الشوارع او العربي الشوارعي وكان يقصد بذلك شخصية الصعلوك او الشريد. اما الامريكان فقد استخدموا كلمة الشارع ليؤدوا بها معاني ودلالات شيء عندهم مثلاً عبارة «عربة الشارع» ستريت كار ويقصدون بها مركبة الترام الكهربائية وقد صارت علما على مسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها اللذة» (تلك هي الترجمة التي شاعت وسادت والأدق ان اسمها الرغبة.. والله أعلم). الامريكان يستخدمون ايضاً تعبير «سعر الشارع» ويقصدون به القيمة المالية للمخدرات بعد ان يضبطها ويصادرها رجال شرطة المكافحة بطبيعة الحال ويستخدمون تعبير «حكيم الشارع» بمعنى اللوذعي المحنك الخبير بحياة المدينة ودخائلها وألاعيبها، هذا ناهيك عن تعابيرنا المشتركة معهم ومنها بداهة ان فلانا اصبح في الشارع بمعنى انه فقد وظيفته وان المسكينة اصبحت «فوق» الشارع حرفياً بمعنى انها انحرفت بعد ان احترفت اول خدمة مهينة في التاريخ وهي البغاء (الحرفة الثانية هي الجاسوسية). كل هذا بالاضافة طبعاً الى عبارة الشارع العربي التي كتب عنها ويليام سافير ـ كما اسلفنا ـ مقاله الاخير في مجلة «نيويورك تايمز» ويبدو انه لم يكتبها لوجه الله ولا البحث اللغوي لأنه طرح تحت عنوان مقاله سؤالاً نراه خبيثاً عن الشارع العربي يقول فيه: اهو تعبير عن الرأي العام ام انه صوت الرعاع والدهماء؟