بعد ثلاثين سنة على قيام دولة الإمارات العربية، أصبحت تجربة تأسيس الإمارات بمثابة نموذج مصغر لما هو منشود على المستوى العربي الشامل. فهذه الدولة الفتية قامت على جملةٍ من الأسس من المهم التوقف عندها واستخلاص معانيها ودروسها المفيدة للمستقبل العربي ككلّ. ان المنطقة العربية تحتاج الآن إلى مجموعة من العناصر التي تضمنتها مسيرة تجربة دولة الإمارات: ـ الحوار بين العرب من أجل مستقبل أفضل في كل المجالات ـ الإلتزام بالهوية العربية المشتركة ومضمونها الحضاري الإسلامي. ـ التكامل التدريجي المنظم بين الأوطان العربية وصولاً للإتحاد. ـ الحرص على الخصوصيات المميزة لكل وطن ـ بناء مؤسسات تقوم على الشورى والديمقراطية. فرغم عناصر التوحّد العديدة التي كانت تجمع بين إمارات الخليج، فإن الحوار الجاد بين حكامها أدى إلى الاتفاق على صيغةٍ تكاملية تحفظ الخصوصيات، وليس صيغة اندماجية تفرض حجم الإمارة الكبيرة على حصة الإمارة الصغيرة. ولا شك أن حكمة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان حاكم إمارة أبوظبي آنذاك ، وسعة إدراكه لأهمية تحقيق الهدف الكبير، ومرونة تفكيره وأسلوبه، كلّها عناصر ساهمت في استيعاب الاختلافات بين الإمارات وفي الوصول إلى صيغةٍ اتحادية تكاملية تعتمد الشورى بين حكامها وتحقق التفاعل الإيجابي بين أبنائها. وكان واضحاً منذ بدء مسيرة تأسيس دولة الإمارات، الحرص الكامل على الهوية العربية لهذه الدولة الجديدة، فلم تولَد دولة الإمارات باسم اتحاد الإمارات الخليجية بل كانت التسمية تعبيراً عن الالتزام بهويةٍ عربية تحولت فيما بعد إلى ممارسةٍ عملية تخدم القضايا العربية في المجالات كلّها فكان لدولة الإمارات العربية ـ وما زال ـ الأثر الكبير في تنمية اقتصاد عدة دول عربية أخرى، وفي الدعم الكبير للقضية الفلسطينية، وفي الحرص على وقف أي شكلٍ من أشكال الصراعات العربية ـ العربية وعلى بناء التضامن العربي والسعي لتحقيق التكامل بين دول المنطقة العربية. تجربة دولة الإمارات العربية تستحق أكثر من تهنئةٍ واحتفال بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيسها، فهي تجربة نموذجية نجحت في الاختبار على مدار ثلاثة عقود لكي تكون حالة قابلة للتكرار بين عموم الدول العربية فما الذي يمنع أن تتكامل المنطقة العربية كلّها في صيغةٍ اتحادية تقوم على الديمقراطية والشورى وتحفظ حقوق كلّ الأوطان، كبيرها وصغيرها، وتتيح لكلّ وطن إطلاق ما عنده من إبداعات وكفاءات تستفيد منها الأمة ككل كما يستفيد منها الوطن نفسه، فها هي تجربة إمارة دبي بما فيها من إنجازاتٍ اقتصاديةٍ وتجاريةٍ وعلمية وإعلامية، جعلتها مقصداً لمعظم شركات العالم، فاستفادت منها الإمارة نفسها كما كانت مصدر خيرٍ ونجاح لكلّ دولة الإمارات بل للعرب جميعاً. ثم نجد أيضاً إمارة الشارقة تتميز بدورها الثقافي ومؤسساتها العديدة الساعية إلى خدمة الثقافة العربية والحضارة الإسلامية. فلم تأخذ تجربة دولة الإمارات من خصوصية أية إمارة، بل أضافت هذه التجربة وأعطت للإمارات كلّها الخير والوضع الأفضل لبناء مستقبلٍ أفضل. وأمام العرب اليوم نماذج كبرى في العالم تؤكّد أهمية التكامل القائم على مزيجٍ من الاتحاد والديمقراطية والحرص على الخصوصيات من جهة، وعلى الهوية المشتركة والمصالح المشتركة، من جهة أخرى. فمن النموذج الأمريكي الفيدرالي إلى النموذج الأوروبي الكونفدرالي، يستطيع العرب استخلاص ما هو مناسب لظروفهم الخاصة، تماماً كما فعل حكام الإمارات عام 1971 بقيادة صاحب السمو الشيخ الحكيم زايد بن سلطان الذي جعل من «أبوظبي» ملتقى تجتمع فيه الكلمة الطيّبة مع الشجرة الطيبة، كما اجتمعت أيضاً في تجربة الإمارات عناصر الإيمان بالله تعالى، وبالهوية العربية الحضارية، مع العمل الصالح لخدمة الإمارات والعروبة والإسلام. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن