مشيت في شوارع بغداد واحيائها العتيقة بين الرصافة والكرادة والكرخ والاعظمية والمنصور والصالحية، وعرّجت على احيائها وشوارعها الحديثة مثل شارع الجمهورية و 14 رمضان وغيرها، اطالع وجوه الناس واقرأ ما خلفته عليها سنوات الحصار الطويلة، والتهديدات الحديثة التي اطلقها الرئيس الامريكي يوم الاثنين الماضي ،بأن العراق ربما يكون هدفا تاليا بعد افغانستان اذا لم يسمح بعودة المفتشين الدوليين الذين اغلق الباب امام عودتهم منذ العام 1998. الوضع الاقتصادي المتردي واقتراب العيد جعل الكثيرين في صراع شديد مع انفسهم ومع الحياة، وبين ضيق ذات اليد ومحاولات ادخال بعض من السرور في نفوس ابنائهم، بعض محلات الملابس عليها اقبال نسبي وكثيرون او الاغلبية لا تملك ادخال السرور على الجميع فأخبرني بعضهم انه يشتري فقط للصغار. كل من سألتهم عن تهديدات بوش او معظمهم كانوا متخوفين ليس من القصف وانما بالدرجة الاولى من العودة الى انقطاع المياه والكهرباء والتدفئة لاسيما وان ليالي شتاء العراق قاسية وشديدة البرودة، واصعب شيء على الناس ان يفقدوا مصدر المياه الصالحة للشرب او الكهرباء في مجتمع كان مترفا قبل العام 1990. وقد اطلعت على تقارير عديدة منها تقرير لبرنامج الصحة العالمي ذكر ان نسبة الذين يحصلون على مياه صالحة للشرب في المناطق الحضرية في العراق لاتزيد على خمسين في المئة فيما كانت 90% قبل الحصار، امافي الريف العراقي فان النسبة لاتزيد ايضا على 33%، اما الكهرباء فان العراقيين يعانون من نقص في القوة الكهربائية لا تزيد نسبته على 40% عما كان عليه قبل الحصار، وكل زائر للعاصمة بغداد يستطيع ان يلمس المعاناة اليومية لانقطاع الكهرباء على مدار اليوم بين احياء بغداد المختلفة، واذكر ان الزملاء في مكتب قناة الجزيرة في بغداد قاموا بجهد كبير يوم الاربعاء الماضي للتأكيد على ادارة الكهرباء في بغداد عدم قطع الكهرباء عن المنطقة التي يقع فيها مكتب الجزيرة اثناء بث حلقة «بلا حدود» التي اجريتها مع نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان مساء الاربعاء الماضي، ومع ذلك فقد اعدوا مولدات كهربائية احتياطية. ورغم ان المادة 54 من معاهدة جنيف تنص على تحريم اي اعتداء على محطات مياه الشرب وأنظمة الري، الا ان القوات الامريكية وحلفاءها دمرت سدود المياه العراقية الثمانية المتعددة الاغراض وكذلك انظمة السيطرة على الفيضانات وانظمة الري ومحطات توليد الكهرباء ومحطات الصرف الصحي، وكل ذلك ادى الى عواقب صحية وخيمة يعاني منها الشعب العراقي جعلت تهديد بوش الاخير يزيد مخاوف الناس من تدمير ماتم اعادة بنائه من هذه البنى التحتية وهو يمثل او يوفر نصف حاجة العراقيين، وقد عبرت وزارة الصحة العراقية عن مدى تدهور الوضع الصحي لدى العراقيين في تقرير اصدرته في اكتوبر الماضي قالت فيه ان اكثر من عشرة ملايين مواطن عراقي يعانون من سوء التغذية واشارت احصاءات «لليونيسيف» بأن اربعة آلاف طفل عراقي يموتون شهريا بسبب سوء التغذية، ومجموع الاطفال الذين ماتوا بسبب الحصار حتى الآن يزيد على نصف مليون طفل عراقي. اما الذين تكتب لهم الحياة فانهم يعيشون حياة بائسة للغاية، وقد استوقفت بعض الاطفال الذين يملأون الشوارع، ويحملون بعض الاغراض البسيطة الذين يرجون المارة او راكبي السيارات لشراء بعض منها، وسألتهم عن حياتهم وعائلاتهم فسمعت قصصا مبكية ولم اجد ايا منهم ملتحقا بالمدرسة ولان التعليم يمثل القيمة الحضارية والرؤية المستقبلية في اي امة فقد عدت الى تقارير مختلفة لاعرف حقيقة الواقع التعليمي في العراق غداة تهديدات الرئيس بوش فوجدت تقريرا لليونسكو صدر مؤخرا اشار الى ان الاقبال على المدارس انخفض الى نسبة 3% فقط بعدما كانت معدلات التعليم في العراق وصلت الى 80% عام 1987، والآن اصبحت حالة 83% من مدارس العراق غير صالحة للدراسة. وقد سألت احد الاطفال فقلت له، لماذا لاتذهب الى المدرسة؟ اما تفكر في المستقبل؟ نظر اليّ باستغراب شديد ثم قال لي: اي مستقبل؟ انني لا افكر الا في هذه اللحظة التي اتمنى ان تشتري مني شيئا مما احمل وتتركني حتى ابحث عن زبون آخر .. امتلأت نفسي بالكآبة والانقباض، ثم صادفت بعض الشباب الذين تعرفوا علي من خلال بعض برامجي التي يعيد تلفزيون «الشباب» بثها في العراق لان الاطباق اللاقطة ممنوعة في العراق فقلت لهم: كيف تنظرون للمستقبل؟ نظر بعضهم الى بعض ثم قال لي احدهم .. اي مستقبل؟ هنا فقط تفكر في يومك وكيف تستطيع ان توفر فيه حاجاتك دون ان تمد يدك الى الناس. لم يفارقني الهم طوال ايام بقائي في بغداد . لكن هذه هي العراق التي يريد جورج بوش ان يدمرها من جديد. ـ كاتب واعلامي مصري