في يوم الجمعة الثامن من شهر رمضان 1422 هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر نوفمبر 2001م سلم القائد الشهيد محمود محمد أبو هنود الراية لسواه، وارتفع فوق بساط دمه ليرى الأداء الجهادي من بعده على طريق مقاومة الإرهاب الصهيوني والدفاع عن القدس وتحرير فلسطين. لم يكن الأول ولن يكون الأخير، فكل قائد يسقط يعطي الراية لقائد جديد، وكل شهيد يجدد بدمه عهد التحرير يضيء على الدرب شمعة ويضع دمه أمانة في أعناق أجيال قادمة ومجاهدين آخرين حتى لا يضيع دمه بضياع الأهداف التي استشهد من أجلها. وما دام في الأمة العربية حياة وفي القلوب إيمان فإن الذاكرة ستعي الأحداث والوجدان سيملي المواقف والكفاح سيستمر بكل الأشكال والصور والإمكانيات المتاحة حتى تتحقق الأهداف المشروعة التي نخوض من أجلها بدمنا مقاومة ضد احتلال الإرهاب الصهيوني وإرهاب الكيان الذي يمثله ورعاية إرهاب الدولة الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية على أكمل وجه. لم يكن شهداء الأمة من أمثال أبو هنود ويحيى عياش وأبو علي مصطفى وفتحي الشقاقي وأبو جهاد خليل الوزير إلى آخر قائمة المجد الطويلة ـ وسواهم ممن سبقوهم أو ممن لحقوا وسوف يلحقون بهم، مجرد أسماء أو أرقام، ولم يكن أي منهم من دون أحلام خاصة وأبعاد إنسانية ومسئوليات اجتماعية وارتباطات عاطفية وتطلعات كبيرة إلى حياة مديدة آمنة وسعيدة، ولم يكونوا من دون آمال عريضة: الأطفال منهم يتعلقون بالأسرة والعيد والهدايا بالمدرسة ورفاق المقعد، والشباب بأحلام الجامعة وبناء أسرة تخيم عليها ظلال الحب وتتطلع إلى الأطفال والنجاح الكبير في الحياة، والآخرون من رجال ونساء في أعمار ومهن مختلفة لهم آمال وأطفال وأخوة وأخوات وأحفاد وزوجات وأمهات ومسئوليات إنهم بشر من طينة الناس وأمشاج أجسادهم وعواطفهم وأرواحهم ومشاعرهم لم يكونوا نوعاً من جماد ولم يكن أي من الشهداء كارهاً للحياة أو متخلياً عن مباهجها؛ ولكنهم لم يروا شيئاً من معنى الحياة أو من ظلالها مع وجود العسف والظلم والاحتلال والإرهاب والقتل.والحياة عند المؤمن تكليف، ومما يرد في سياق التكليف: الحفاظ على الحياة من جهة مقاومة الظلم والطغيان والعدوان ودفعه عن النفس والناس وعدم الركون إلى قتلة الأنبياء وأعداء الله والإنسانية ومفسدي القيم السليمة والحياة على الأرض، وهو ما واجهه ويواجهه أهلنا في فلسطين المحتلة منذ عقود وعقود من الزمن على يد الصهاينة المحتلين وحلفائهم. والمؤمن المكلف والوطني المؤتمن على شعب وقضية وحرية ووطن لا يمكن أن يقبل الضيم ويستكين للظلم ويستسلم للاحتلال. حياد مرفوض ولهذا نرى تجدد تفجر الدم الذي يقاوِم اليوم وحشية لا مثيل لها في التاريخ هي وحشية الصهاينة العنصريين. الفلسطيني يعشق الحياة ويتعلق بها ويطيب له أن يَدْبك على لحن المجوز والشبابَة والطبل وأن يغني العتابا ويشرب القهوة ويدخن النرجيلة ويصلي في الأقصى المبارك بأمان، ولكنه لم ير شيئاً من ذلك يتحقق له بل رأى العدو يقتحم عليه قريته وبيته ومسجده وحلمه وفرحته ومدرسة ابنه، ويجتثه مع آماله وأطفاله بالحديد والنار من تاريخ فلسطين وأرضها ليقيم في مكانه معقلاً للعنصرية الصهيونية والشر المحض بالعدوان والإرهاب، مدنساً المقدس منتهكاً الحرمات والمحرمات مبيداً كل مقومات الحياة؛ فهل تراه يسكت ويستسلم ويستكين ويرضى العبودية وينتظر دوره في مسلسل الإبادة الجماعية البطيء الذي ينفذه الكيان الصهيوني بدعم أمريكي تام وشامل، وكامل العمى والعَمَه والعته منذ عقود من الزمن، أم تراه يثور على وضع لا يليق بالإنسان أن يقبله؟ إنه إنسان ذو كرامة وحقوق وهوية وحضارة ولا يرى حياة لها معنى ولا ظلاً لها ولا مسوغاً للعيش من دون حرية وكرامة ومحافظة على المقدس والإنساني والروحاني والهوية، ولذا يتفجر دماً عاشقاً للحياة يستنبتها في أجيال قادمة ويحفظ قيمها ومقوماتها ولونها وطعمها لتلك الأجيال القادمة إنه يحترق كل يوم ليتجدد أمله وحلمه ونضاله كل يوم. في ضوء هذا وانطلاقاً منه أرى ذلك الدم الطهور المهراق برصاص الإرهاب الصهيوني ورعاته العتاة، يطرح اليوم على ذوي الضمير والوعي والمسئولية الأخلاقية في العالم أسئلة ويلقي عليهم مسئوليات، ويضع أبناء الأمتين العربية والإسلامية وقادتهما ومسئوليهما ومثقفيهما أمام حقائق وضع ومسئوليات قضية وواجبات انتماء مما يتصل بالحياة والحقوق والحريات وتحرير المقدسات والدفاع عن الأخ ـ الشريك في كل مقومات الثقافة والعقيدة والحضارة والحضور وفي ضوء هذا وانطلاقاً منه أيضاً أرى أننا لسنا محايدين ولا ينبغي أن نكون كذلك، ولسنا متفرجين من خارج التاريخ على ما يجري في الأرض المحتلة ولا ينبغي لنا أن نكون كذلك، وأن الذين يموتون هناك ويعانون وتُهدم بيوتهم على رؤوسهم وتجرف مزارعهم هم أهلنا ودمنا هم أشقاؤنا وحملة مشاعل قضيتنا وينبغي ألا نتنكر لهم ونتفرج عليهم ونغض الطرف عن معاناتهم هرباً من المسئولية والمعاناة، لأن ذلك النوع من الهرب ليس مشرفاً من جهة ولا يمكن أن يعصم أحداً منا من شرور المخطط الصهيوني ـ الأمريكي الذي يقتحم علينا وجودنا خطوة خطوة وتهديداً بعد تهديد. وإذا كنا لا نملك من السلاح ما يملكه الصهيوني ـ الأمريكي لأسباب عدة، نحن أول المسئولين عنها، فلا يجوز أن ننتظر الموت الزاحف علينا بذل واستكانة وقلة حيلة تهزمنا من الداخل لنُذبَح من بعيد من دون صوت أو عطف أو شفقة أو علم من أحد؛ ولذا فإننا نحن المعنيين بالأمر كله لأن المصير الحالي لأهلنا في فلسطين يعنينا ولأننا المستهدفين من بعد مثلما هم مستهدفون اليوم®. فآلة العدو العسكرية الزاحفة ليست أقل سرعة ووحشية وهمجية من حقده الأعمى وعقيدته العنصرية الكريهة التي لا ترتاح إلا على بُسُطٍ من الدم وأكوام من الجماجم ومشاهد الحريق والدمار والخراب تلتهم كل ما هو عربي وإسلامي، ولذا فأنه لا يعنينا أبداً أن يتجرد حاكم عربي من ثوبه وجلده ويتخلى عنهم وعنا ضمناً، لأن الحاكم وجلده ونظامه إلى زوال والشعب باق وصلاته التاريخية وثقافته وعقيدته الواحدة وقيمه باقية وهي الجذر المشترك الأبقى، وهي الساق والعمق الروحي والنفسي الذي ليس لعربي صادق الانتماء انعتاق من المسئولية عنه ولا لمسلم صادق الإيمان من سبيل إلى التنصل من تبعاته ولا لإنسان مستقل الرأي صائب الرؤية سليم التكوين والتفكير والوجدان فكاكاً من المسئولية عنه بوصفه شريكاً في الشرط الإنساني والمصير الإنساني معاً. مفاهيم مغلوطة إن الخطر يزحف وجسم الأفعى الصهيونية يلتف على جسدنا في مركز ثقل ذلك الجسد: فلسطين المحتلة وما جاورها، وهي لن تلبث أن تنفث سمها القتال هنا من جديد ولن يصنع أنطوني زيني هدنة يبني عليها بوش الابن سلاماً لأن القرار الأمريكي، مرتهن للقرار الصهيوني الذي لا يريد السلام بل استسلام العرب؛ وقد بدا ذلك صريحاً في خطاب كولن باول الذي تدخلت: إيباك في صياغته من خلال رسالة أعضاء في الكونغرس وعُرضت على مسئولين صهاينة في القدس المحتلة نسخُه وساهموا في اختيار النص الذي يضمن للكيان الصهيوني كل شيء ولا يضمن للفلسطينيين شيئاً يذكر، على الرغم من متغيرات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها التي أملت على بوش تحركاً في صراع كان قد أوكل أمر إنهائه لشارون عندما استقبله أول مرة بعد دخوله البيت الأبيض رئيساً. الخطر قادم وما علينا سوى أن نحذر ونتكاتف ونواجه فم التنين بكُتلتنا المتينة القاسية الشائكة التي تستعصي على القضم والابتلاع والهضم الخطر قادم، وليس الاتهام والتهديد اللذان يوجهان للمقاومة: حزب الله ـ الجهاد الإسلامي ـ حماس ـ الجبهة الشعبية ..إلخ ولمن يتعاطف معها ويدعم نضالها بوصفه مقاومة مشروعة ضد الاحتلال والإرهاب الذي يمارسه ذلك الاحتلال وإرهاب الدولة الصهيونية الذي تحميه الولايات المتحدة الأمريكية، وليس إعادة توجيه التهم والتهديد للعراق ولسواه من جديد سوى إرهاصات بشرور ما هو آت. لقد قال الرئيس الأمريكي جور بوش في جوابه على سؤال يقول: إذا كانت أفغانستان هي مجرد البداية، كما قلت، فماذا عن العراق ؟ ما هي الرسالة التي تود أن توجهها إلى هناك ؟. قال الرئيس بوش: رسالتي هي، إذا آويت إرهابياً فأنت إرهابي، وإذا أطعمت إرهابياً فأنت إرهابي، وإذا طورت أسلحة للدمار الشامل تُستخدم لإرهاب الأمم، فإنك ستحاسب على ذلك. وكما قلت سنتأكد من أننا سنحقق كل مهمة نقدم عليها أولاً بأول . ومن الواضح أن هذا الكلام الذي يخلط عمداً بين الإرهاب المدان والمقاومة المشروعة للاحتلال، بل الذي يعبر عن موقف أمريكي ثابت في هذا المجال، يهدد العراق ولا يتوقف عنده فقط بل يتعداه إلى دول ومواقع أخرى يقول الأمريكيون: إنها تؤوي الإرهابيين وترعاهم والأمريكيون يأخذون بكل من يسميه الصهاينة إرهابياً وقد أكد الرئيس بوش موقفه وكلامه وخطة بلاده مرة ثانية في المقابلة ذاتها عندما قال: أتمسك بهذه الكلمات: أفغانستان ليست إلا البداية إذا آوى أحد إرهابياً فإنه إرهابي، وإذا مولوا إرهابياً فإنهم إرهابيون ولا يمكنني أن أكون أكثر وضوحاً من ذلك والانتفاضة عند الأمريكيين إرهاب وقد وصفها كولن باول في خطابه بذلك، كما أعطى الضوء الأخضر لشارون بالاستمرار في مسلسل التصفيات الجسدية وملاحقة الناشطين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال وقتلهم بكل الوسائل حين قال بوضوح: إن الإرهابيين يجب إيقافهم قبل أن يرتكبوا فعلتهم وهي الذريعة التي يقدمها الكيان الصهيوني عند تصفيته لأي فلسطيني إذ يقول: إنه كان يخطط لتنفيذ عملية إرهابية، أو لإرسال إرهابيين وهذا التوجه هو الذي سمح وسوف يسمح لشارون وسواه من الإرهابيين الصهاينة المحتلين باستمرار تنفيذ مسلسل الإبادة البشرية ضد الفلسطينيين حتى في ظل وجود اتفاق. وإذا كانت الآمال تعلق على أنطوني زيني بالوصول إلى ما يسمى وقف إطلاق النار تمهيداً للعودة إلى طاولة المفاوضات فعلينا أن نعرف أن زيني محكوم بالرؤية الأمريكية التي قدمها خطاب كولن باول، وهي رؤية صهيونية للقضية لا جديد فيها سوى تحرك إدارة بوش لتنفيذها تحت ضغط أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولن يكون زيني وبيرنز محايدين حتى على المستوى السياسي الأمريكي المنحاز بالانتماء والضرورة لرؤية حكومته، وذلك لسببين: أولهما: أن المستشار الأول للوفد ومفسر الأمور المعتَمَد له ومحدد التوجه العام هو أهارون ميلر اليهودي الصهيوني الأمريكي الذي كان في الفريق السابق س يرعى المفاوضات خلال عهد الرئيس كلنتون، وكانت رعاية صهيونية كاملة رؤوسها يهود صهاينة بأقنعة أمريكية نزيهة تماماً من أولبرايت و وليم كوهين إلى دنيس روس وأهارون ميلر؟ وثانيهما: أن شارون قام بتعبئة زيني وبيرنز كما كان القادة الصهاينة يفعلون مع كثيرين سواهما ومنهم الرئيس السابق بيل كلنتون والرئيس الحالي جورج بوش الابن حيث يأخذونهم في طائرة ليروهم المدى الجغرافي الضيق الذي يملكه الكيان الصهيوني، وهو مدى على ضيقه يطمع به العرب المحيطون بالدولة المهدد أمنها من الخارج والداخل كما يقولون. وإذا كتب لأنطوني زيني النجاح فإنه سوف يتجاوز برنامج جورج تينيت إلى خطة ميتشل، إذ هي الأفق الأمريكي المقبول عربياً ودولياً وتلك هي الطامة الكبرى لأن «ميتشل» تقدم للقضية وأهلها حلولاً أشد بؤساً من أوسلو التي «تنعقد آمال المفاوضين» على العودة إليها، وهي كما نعرف جميعاً شر على شر . وكل ذلك وما يختفي وراءه مما يخبأ للفلسطينيين والعرب والمسلمين يدعونا إلى الحذر الشديد من جهة وإلى استنفار قوانا الروحية والذاتية في يقظة قلب وعقل وتجسد إرادة ووحدة موقف وهدف من جهة أخرى لكي نحمي ما تبقى من أطفال فلسطين وما تبقى من صمود شعبنا العربي العظيم فيها وما تبقى من مجاهدين ومقاومين ومنتفضين يقاوِم دمُهم ويقاومون بدمهم الإرهابَ والهمجية والعنصرية الصهيونية وأشكال التواطؤ والتهديد الأمريكي حتى يبقى لهم في فلسطين وجود ويبقى لهم من فلسطين شيء.فهل ترانا نكف عن الفرجة على ما يجري لهم ونقف وقفة كريمة مسئولة إلى جانبهم، وهم لحمنا ودمنا وتاريخنا وهويتنا وثقافتنا والمدافعون عن أرض ومقدسات يعنينا أمرها كما يعنيهم، أم أننا نبقى نتابع حلقات مسلسل الإبادة الصهيوني على شاشات التلفزة ونأكل وننام ونتأوه وندعم الانتفاضة والمقاومة والمجاهدين دفاعاً عن فلسطين والأقصى بالكلام والشعارات والمظاهرات . إنه السؤال الأساس الذي ينبغي أن نلقيه على أنفسنا في مناخ من الرؤية والإدراك لما يتهددنا جميعاً ولما يتهدد قضيتنا المركزية، قضية فلسطين، في حملة الإرهاب الأمريكي ـ الصهيوني على العالم لحماية الكيان الصهيوني وأمنه، والحفاظ على «رفاهية شعبه» وللسيطرة على النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية، ولمنع العرب والمسلمين خصوصاً من امتلاك أي نوع من أنواع القوة يدافعون بها عن أنفسهم وأوطانهم ومصالحهم، واحتكار كل أنواع الأسلحة بما فيها أسلحة الدمار الشامل التي نُتهَم بالسعي للحصول عليها فنُقتل حتى لا يتحقق شيء من ذلك بينما يُحمَى الكيان الصهيوني الذي يملكها ويطورها ولا يُسأل عن شيء مما يتعلق بها؟. إننا نواجه حقيقة حملة إبادة الإرادة والرؤية والقوة، الحملة التي تهدف في جملة ما تهدف إليه احتكار امتلاك أسلحة التدمير الشامل وملاحقة الشعوب بإرهابها المدمر بذريعة ملاحقة الإرهاب؟! والإرهاب يهودي النشأة غربي الترعرع أمريكي البيئة والسطوة والانتشار. فهل إلى وحدة موقفنا وتحمل مسئولياتنا من سبيل؟ ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب