في اليوم الذي كانت المنطقة تستقبل فيه بعثة الوساطة الأمريكية التي يقودها الجنرال أنتوني زيني ومعه الدبلوماسي بيرنز في خطوة أولى نحو ما أسماه وزير الخارجية الأمريكية بأنه رؤية أمريكا الجديدة للصراع الدائر على أرض فلسطين.. في نفس اليوم كان الرئيس الأمريكي بوش يطلق رؤيته الجديدة هو الآخر والتي أعتبر فيها أن العراق قد يكون الهدف التالي للحملة الأمريكية ضد الإرهاب بعد الإنتهاء من أفغانستان!! ويثور التساؤل: هل كانت رؤية باول مقدمة ضرورية لرؤية بوش ؟ وهل نحن أمام فصل جديد من عملية النصب السياسي على العرب. وإلى أين يقودنا هذا الطريق؟ الحديث عن الإيجابيات في رؤية باول لم ينقطع من الأطراف العربية منذ إطلاقها ولاشك أن بالمبادرة جوانب طيبة إذا قورنت مع مواقف الإدارة الأمريكية منذ تولي الرئيس بوش للحكم والتي أعطت تأييدها كاملا لرئيس الوزراء الإسرائيلي شارون وأطلقت يده في إرتكاب المذابح ضد الشعب الفلسطيني. وهي - بلاشك - خطيرة للإمام في ظل ضغوظ صهيونية تفرض نفسها على الاعلام الأمريكي، وفي ظل إنحياز غالبية أعضاء الكونجرس لإسرائيل، وفي ظل إزدياد نفوذ اليمين الأمريكي، ومع مواقف الفاعلين في الإدارة الأمريكية. بدءا من نائب الرئيس ديك تشيني الذي أفتى بحق إسرائيل في ضرب مناطق السلطة الفلسطينية واغتيال الشباب الفلسطيني بإستخدام الأسلحة الأمريكية، وإنتهاء بالسيدة كوندارايس مستشارة الآمن القومي التي أفتت هي الأخرى بأنه لا يوجد إرهاب حسن وإرهاب سئ ، وذلك ردا على الإصرار العربي والدولي على التفرقة بين الإرهاب المدان من العالم كله. وبين حق المقاومة المشروع ضد الاحتلال الذي تكلفه كافة القوانين الدولية. غياب الاهتمام في ظل هذه التوجهات ، ومع مناخ العداء للعرب الذي يتصاعد في الغرب منذ أحداث 11 سبتمبر، يصبح حديث باول عن ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أمرا إيجابيا ، وكذلك حديثه عن إيقاف عملية الاستيطان ، وعن دولة فلسطينية قابلة للحياة ، وكذلك يصبح إرسال المبعوثين بهذا المستوى العالي دليلا على اهتمام أمريكي غاب طويلا وترك الفرصة لشارون ليرتكب ما شاء من مذابح ضد الفلسطينيين كل ذلك طيب ، ولكنه لن يؤدي إلى شئ إذا ظل الهدف هو استعادة الهدوء ثم الدخول في مفاوضات تعرف أمريكا - قبل غيرها - إنها لن تؤدي إلى شئ في ظل الهوس في حكومة شارون ، وفي ظل الإصرار على فرص الاستسلام الكامل على الشعب الفلسطيني. إن المطلوب ليس استعادة الهدوء ولا توفير الأمن لإسرائيل على حساب العرب، وإنما المطلوب حل يتفق مع الشرعية الدولية التي اشار إليها الوزير الأمريكي في رؤيته التي خضعت - كما قيل - لسبعة وثلاثين تعديلا بناء على طلب إسرائيل واللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية. إن العرب لم يطلبوا المعجزات ، ولكن فقط قرار دولي تشارك فيه أمريكا ويتعهد الجميع بوضعه موضع التنفيذ ينص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي التي احتلتها إسرائيل عام 67 ، وعلى قيام دولة فلسطين في الضفة وغزة وعاصمتها القدس العربية كما كانت قبل الاحتلال. وبعد ذلك فقط ينتهي العنف ، وتبدأ المفاوضات لوضع هذا القرار موضع التطبيق. العراق الهدف التالي وبدون ذلك يصبح كل هذا التحرك بلا معنى إلا خدمة إسرائيل وإنهاء الإنتفاضة ، وتبريد الموقف ، وتمهيد الطريق للخطوة القادمة للسياسة الأمريكية في المنطقة ، والتي أعطى الرئيس بوش إشارة البدء لها بالحديث - لأول مرة - عن أن العراق قد يكون الهدف التالي - بعد أفغانستان - للحملة ضد الإرهاب! السيد باول صاحب الرؤية الأولى وصف رؤية رئيسه حول العراق بأنها رسالة هادئة جدا ومرعبة جدا! والمتحدث باسم البيت الأبيض قال على الفور إن الولايات المتحدة تعتبر العراق منذ زمن دولة ترعى الإرهاب! ونائب وزير الدفاع بول وولفوتيز الذي يتزعم الجناح الصهيوني ويضغط منذ تولى عمله لتدمير العراق تدميرا كاملا.. لم يضيع وقتا ، وبدأ على الفور في اختيار إسم الحملة القادمة على العراق مقترحا أن تكون حملة قاذفات القنابل! وروسيا التي كانت أول من سرب أنباء الضربة الأمريكية القادمة للعراق أثناء زيارة ملك الأردن لموسكو ، والتي كان الفيتو الذي استخدمته هو الذي منع ضرب العراق قبل ذلك ، أكدت أن لقدرتها على مواجهة الضغوط الأمريكية حدودا، خاصة بعد التفاهم بين موسكو وواشنطن في الحملة على ما يسمى بالإرهاب والمساعدات التي قدمتها روسيا أثناء ضرب أفغانستان وهو التفاهم الذي تنتظر موسكو نتائجه وخاصة على الجانب الاقتصادي ، والتي تتوقع أن تكون أضعاف ما تستفيده الآن من صفقات تجارية مع العراق. وفرنسا أكدت تأييدها للمطلب الأمريكي بضرورة موافقة بغداد عودة المفتشين الدوليين على أسلحة الدمار الشامل. وهو المطلب الذي ترفضه بغداد إلا بعد إسقاط العقوبات المفروضة عليها دون وجه حق ، الأمر الذي تريد واشنطن أن يكون مدخلها لتوجيه ضربة قاصمة للعراق المحاصر منذ عشر سنوات. وتركيا التي كانت تعارض الضربة بسبب الخسائر الاقتصادية التي يمكن أن تصيبها ، أو بسبب الأوضاع التي ستنشأ في شمال العراق والتي يمكن أن تشعل قضية الأكراد بكل مخاطرها على أمن تركيا ووحدتها الداخلية، تركيا هذه بدأت في التراجع غير المنظم ، لتقول في البداية إنها ستغير هذا الموقف وستؤيد الضربة الأمريكية إذا ثبت تورط العراق في أحداث 11 سبتمبر ، ولما أدركت أن ذلك لن يحدث اكتفت بأنها ستغير موقفها إذا تغيرت الظروف. لأن للظروف أحكام ، خاصة إذا كانت أمريكية! والغريب أن بعض الأطراف العربية بدأت في المزايدة على هذه المواقف، والحديث عن أفغنة العراق والتصديق على مشروعية ما أطلقته أمريكا من أن العراق هو الهدف الثاني لحملتها العسكرية الراهنة! لقد شبعنا حديثا عن الملف العراقي ، وعن المحنة التي يعيشها العرب منذ كارثة غزو الكويت وحرب الخليج الثانية، وليس هذا مجال العودة لهذا الحديث ، ولكن الأمر الآن يبدو أخطر من كل ما مر على العرب في سنوات المحنة. إن ضرب العراق الآن لن يحل أي مشكلة ، بل سيفتح أبواب جهنم على الجميع. إن أمريكا تعرف أنها تغتصب حقوقا ليست لها حين تنصب نفسها حاكما للعالم ومسئولا عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، أو ما تختاره هي منها. إنها تتحدث الآن عن ضرورة عودة المفتشين الدوليين مع أسلحة الدمار الشامل للعراق، ولا تقول كلمة عن هذه الأسلحة عند إسرائيل ، وترفض أي حديث عربي عن القدرات النووية لإسرائيل وما تمثله من تهديد للأمة العربية. مهمة أمريكا تجاه العراق إنتهت قانونا مع تحرير الكويت، أما تدمير العراق وفرض التقسيم عليه فهذه مهمة أمريكية بحته ولا علاقة لها بالشرعية الدولية. وربط الحديث عن ضرب العراق الآن بالحديث عن الإرهاب يفتح الباب لمخاطر لن ينجو منها أحد في العالم العربي. ولو سمحنا به فلن يكون العراق إلا الرقم واحد وسيكون على باقي الدول العربية أن تقف في الطابور لتتلقى العقاب الأمريكي. إنها الخارطة الأمريكية الجديدة للمنطقة يراد لها أن توضع موضع التنفيذ. ومن أجلها يتم تبرير الموقف في فلسطين ، ليتم بعدها ضرب العراق. ولكن ماذا بعد؟ إن منظمات المقاومة الفلسطينية موضوعة في كشف الإرهاب. فهل ستكون الهدف التالي ؟ وسوريا ولبنان بين الدول التي ترى أمريكا أنها ترعى الإرهاب وتوفر المقر لمنظمات المقاومة ضد إسرائيل. فهل تنجو من أن تكون أهدافا أمريكية في الطريق إلى شرق أوسط جديد يتم رسمه بعيون أمريكية - إسرائيلية ؟ وهل ستكتفي بهذه الأهداف وهل ستكتفي بعد ذلك بالسودان والصومال لترتيب الأوضاع في شرق أفريقيا.. أم أن الأمور أبعد من ذلك؟ وأين تقع الحملة الضارية على السعودية ومصر من هذه التطورات؟ افغنة الجميع إنهم لا يريدون فقط أفغنة العراق كما يبشرنا البعض ، بل افغنة العالم العربي كله كما تؤكد الوقائع يجري على قدم وساق ، والعرب أصبحوا صانعي الإرهاب في العالم ومصدريه الأساسيين في هذه الحملة الضارية ، بينما الولايات المتحدة الأمريكية بالذات تعرف أنهم كانوا ضحاياه لسنوات طويلة .. كانوا ضحاياه يوم أقامت أمريكا الاحلاف الاسلامية، لضرب مشروع النهضة العربية وحصار الحركة الاسلامية لكي تكون شوكة في جنب النظم العربية ترغمها على الرضوخ لإرادة ، أمريكا ، وكانوا ضحايا يوم أخذت الولايات المتحدة بنفسها عشرات الآلاف من الشبان العرب ليحاربوا معركة أمريكا في أفغانستان، وكانوا ضحايا يوم تم إطلاق هؤلاء المجاهدين الأمريكيين على أوطانهم في محاولة لتحويلها جميعا لصورة مشابهة لافغانستان باعتبارها جنة المسلمين ودار الإمارة. وما جرى في الجزائر شاهد على ذلك. وكان العرب - ومازالوا - أول الضحايا للإرهاب بينما فتحت أمريكا وحلفائها الأوروبيون بلادهم لقيادات الإرهاب التي يتهمون العرب الآن بالفشل في مقاومتها ويحملون العرب المسئولية ليس فقط عما جرى في امريكا، بل عن كل إرهاب في العالم ، ليكون ذلك المدخل إلى أفغنة العالم العربي كله تأديبا وتهذيبا وإصلاحا ، ثم إعدادا لنظام جديدة يحكم المنطقة وفقا للخريطة الأمريكية - الإسرائيلية ولن يكون العراق - إذا تم تدميره وتحويله إلى أفغانستان أخرى - إلا السطر الأول في صفحة تكتبها الولايات المتحدة الأمريكية كما تريد ، وتفرض فيها رؤيتها كاملة ، وتحيل العرب فيه إلى ما يتمناه اليمين الأمريكي الذي يريد عدوا يطارده ويحشد قواه خلفه، ويردد أن العرب والمسلمين هم الخطر الحقيقي والدائم على حضارة الغرب وتزداد شراهته للسيطرة على موارد المنطقة وخاصة البترول وتسخيرها في صراعات يعرف أنها قادمه مع الصين وغيرها. والحجج الآن جاهزة ، والإتهامات تحاصر الجميع في الوطن العربي ، تحركات المقاومة هي الإرهاب، والعراق وسوريا ولبنان تدعم الإرهاب ، والصومال والسودان واليمن وغيرها توفر الملجأ (مع أن القيادات كانت تحتمي بأوروبا وعمر عبد الرحمن كان ومازال في رعاية أمريكا) وبعض الدول تم اكتشاف أنها غير ديمقراطية وبعض الأنظمة لم يظهر تخلفها إلا الآن! وشمال أفريقيا يمثل خطرا على أوروبا ومصر لم تحسن التعامل لا مع المسلمين ولا الأقباط! والسعودية كان منها ابن لادن، والكويت كان منها المتحدث بإسمه ، والعرب مازالوا يبنون المساجد ويحضون على الجهاد وضد إسرائيل الوديعه المسالمة! الإتهامات جاهزة ، والمسرح يعد ، وأفغنة العراق - إذا سمح العرب بها - لن تكون إلا المقدمة لـ أفغنة الجميع! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم« المصرية