هل كسرت عجلة الأيام نواميس الكون فدارت على نحو أسرع من المعتاد، أم أننا نحن الذين لا نريد أن نصدق أن ثلاثة عقود قد انقضت على ذلك اليوم الذي وقفنا فيه أطفالاً نصفق للعلم الذي ارتفع لأول مرة في الثاني من ديسمبر من عام 1971؟ كيفما كان الجواب فثمة حقيقة ماثلة للعيان تقول فعلاً إنها ثلاثة عقود من الزمان.. ثلاثون عاماً بحساب السنين.. جيل كامل في أدبيات تاريخ الشعوب. تلك هي المناسبة التي نحتفل بها في مثل هذا اليوم من كل عام وقد أكملت اليوم عامها الثلاثين وهي مناسبة تحتل في قلوب أبناء الوطن مكاناً رفيعاً ولها في وجدانهم مكانة سامية، هذا المكان وهذه المكانة يزدادان رحابة ورفعة لدى الجيل الذي شهد ولادة هذا الكيان واعلان قيام دولة الاتحاد، ويكتسبان أبعاداً أخرى ربما لا يدركها جيل الابناء الذين ولدوا بعد قيام الاتحاد وتفتحت عيونهم على هذه الشجرة وقد اكتست غصونها بالاوراق الخضراء واتشحت بالازهار وتدلت منها الثمار ليقطفوا منها ويتمتعوا دون أن يدركوا ـ على كثرة ما يروى لهم ـ حجم المعاناة والجهد اللذين بذلتهما تلك الايادي الخيّرة المخلصة لتغرس هذه النبتة وتتعهدها بالري حتى تضرب جذورها في تربة تنتشر في بعض طبقاتها صخور جمة كثيراً ما أعاقت امتداد تلك الجذور ومنعت وصولها إلى الماء أو وصول الماء إليها لولا تلك العيون التي آلت على نفسها ألاّ يغمض لها جفن حتى ترى غرسها وقد شق التربة وغدا دوحة سامقة تنشر ظلالها على أرجاء الوطن، يتفيأ بها أبناؤه وينتفع بثمرها القاصي والداني والبعيد والقريب. نبحث في كتب الرحالة الاوائل الذين وطئت أقدامهم هذه الارض قبل انبلاج فجر هذه الحركة المباركة بفترات تتراوح بين العقدين والثلاثة، ونعود إلى الصور الأولى التي التقطتها كاميرات المصورين الاجانب التي سجلت وقائع تلك الحياة الشاقة بالكلمة والصورة لنعرف حجم النقلة التي حدثت والانجاز الذي تحقق خلال فترة زمنية نراها مرت كالطيف والعقود الثلاثة تكتمل اليوم. نعود إلى تلك الكتابات ونمعن النظر في تلك الصور فتكاد عقولنا لا تستوعب وأعيننا لا تصدق ما حدث على هذه البقعة من الأرض خلال هذه الفترة الزمنية التي هي في عمر الشعوب وجيزة فأحالها من يباب إلى جنان، ومن خيام متناثرة على سواحل ممتدة على مرمى البصر إلى مبانٍ سامقة ينكسر أمامها النظر، ومن كثبان رملية تغوص فيها الاقدام والرمضاء تحرقها إلى شبكات حديثة من الطرق تربط الأرجاء وتقربها. ما كان لعقولنا أن تستوعب كل ذلك لولا أننا من جيل أتيح له أن يكون حلقة الوصل بين عقد الآباء والأجداد وعقد الابناء هذا الذي ولد تحت مظلة الاتحاد، إذ وفرت هذه الوضعية لجيلنا أن يستمع من ذلك الجيل مباشرة إلى وصف حي ودقيق لما كانت عليه الحياة في تلك الحقبة التي عرفت فيها أقدام اولئك الرحالة والمصورين أرض هذا الوطن فكتبت أقلامهم والتقطت عدسات كاميراتهم، وهي صورة لو اتيح لآبائنا وأجدادنا ان يستشرفوا المستقبل ويتخيلوا كيف ستتبدل الحياة من حول ابنائهم وأحفادهم لما توانوا عن تدوينها لنا بدقة لن يعوزها الصدق مع المعاناة والمشقة التي كابدوها لتنتقل إلينا أكثر صدقاً وأبلغ تعبيراً وأقرب إلى الواقع الذي لم يكن سوى سلسلة من الكفاح المتواصل لتأمين الحد الأدنى من أسباب العيش في بيئة طاردة لا نعرف كيف استطاعوا التأقلم معها ناهيك عن التغلب عليها. كانت الأرض شحيحة لا تنبت زرعاً ولا تدر ضرعاً.. وكان البحر هو الملاذ الذي لجأوا إليه فلم يبخل عليهم بخيراته، ولكن الضريبة كانت كبيرة، فقد كان البعد عن اليابسة ومفارقة الاهل والولد شهوراً تكاد تبلغ ثلثي العام الجزء الأيسر من تلك الضريبة إذ كانت الأخطار التي واجهوها في رحلات الغوص والصيد والسفر فوق الوصف والخيال والتصور. في كتابه الرائع «أبناء السندباد» يروي البحار الاسترالي الشهير «ألن فلييرز» آخر الربابنة العظام للمراكب الشراعية الكبيرة التي تجوب المحيطات تجربة شخصية حملته في سفينة خليجية أبحرت به مع مجموعة من البحارة الخليجيين من ميناء عدن لتطوف بهم في سواحل الجزيرة العربية الجنوبية ثم تقفل عائدة إلى ساحل افريقيا الشرقي لتجوبه كله مرفأ مرفأ حتى تصل إلى زنجبار جنوباً ثم تبحر في رحلة شاقة مخيفة إلى دلتا نهر الروفيجي حيث البعوض والملاريا والمخاطر الأخرى لتأخذ طريقها مرة أخرى عائدة إلى الخليج العربي. وفي هذا الكتاب أفضل تصوير للحياة التي عاشها الآباء والاجداد على ظهور السفن قبل اكتشاف النفط، وما قاسوه من شظف العيش ومشاق الحياة في البحر وعلى ظهر اليابسة دون أن يفقدوا ايمانهم وسمو خلقهم متسلحين بالصبر في مواجهة المصاعب والمثابرة والشجاعة لتحقيق أهدافهم. يقول «ألن فلييرز» في مقدمة كتابه الذي دوّن فيه تفاصيل هذه الرحلة التي بدأت عام 1938: «كنت أعرف أن العرب مازالوا يحتفظون ببعض تفوقهم السابق في الملاحة في المناطق الاستوائية من المحيط الهندي، ذلك التفوق الذي لم يتغير نسبياً ربما لمدة ألفي سنة.. صحيح ان العرب ما عادوا يهيمنون على البحر الآن، غير أنهم على أية حال مازالوا موجودين هناك. ولأن هؤلاء البحارة العظام الساميي الأصل مازالوا معنا، فإن أحداً لم يعد يهتم بهم كما ينبغي . ولكن الأمر كان يختلف بالنسبة لي. فقد كنت أعرف الخلفية اللازمة في هذه الحالة، وكان لدي الوقت والميل وكل الخبرة التي يمكن اكتسابها من ركوب السفن الشراعية الاوروبية. كما كنت آمل أن تكون قدرتي على تحمل المشاق مازالت بخير. ولم يكن هذا يقلقني كثيراً، ولكني كنت متسرعاً في الظن بأني على استعداد لاحتمال جميع المصاعب التي يأتي بها البحر ما دمت قد بقيت على قيد الحياة بعد تجارب عديدة شملت الالتفاف عدة مرات حول رأس هورن في فصل الشتاء كما شملت رحلة رائدة لصيد الحيتان في بحر روس في المنطقة القطبية الشمالية. ولقد تبين لي فيما بعد أنني كنت متفائلاً جداً لأنني عندما أبحرت مع العرب أصبت مرة بالعرج الشديد لمدة ثلاثة أشهر تقريباً، كما أصبت أيضاً بالعمى المؤقت لمدة شهر من تلك الأشهر الثلاثة». إنها واحدة من شهادات كثيرة تحفل بها كتب الرحالة الذين جابوا سواحل الخليج وأوغلوا في صحراء شبه الجزيرة العربية وعرفت أقدامهم كثبانها وسهولها قبل تفجر الذهب الاسود من باطنها، نستحضرها اليوم ونحن نحتفل بمناسبة عزيزة كهذه علّنا نحفظ للذين سبقوا ما قدموا، ونقدر لهم ما تحملوا من قسوة العيش ومشقة الحياة، ونأخذ عنهم ما تحلوا به رغم كل ذلك من صبر وايمان وقوة وقدرة على مواجهة الصعاب وقهر المستحيل ليسلموا لنا الأمانة كي نقطف ثمار ما زرعوا في الايام الخوالي الصعبة. فليتنا ندرك قيمة ما فعلوا من أجلنا، وليتنا نعرف كيف نحافظ على هذه الأمانة لنسلمها بدورنا للاجيال القادمة كما استلمناها على الأقل من الذين سبقونا إن لم نزد عليها.. ذلك هو بعض ما يجب أن نستشعره في غمرة الاحتفال بهذه المناسبة المجيدة.