كتب الكثير عما يحدث للامريكيين العرب والامريكيين المسلمين في الولايات المتحدة، وقد اجريت ما يكفي من الحوارات مع اصدقاء في العالم العربي وعقدت ما يكفي من المؤتمرات الصحافية، والمؤتمرات الصحافية عن بعد مع الصحافين والاكاديميين العرب لكي اعرف مدى عمق قلقهم حيال الوضع السائد حاليا. ولاننا نشعر بالامتنان الشديد ازاء هذه المشاعر ولاننا نقدرها ولا نرغب في الاساءة اليها، فإنني احس بأنه من المهم بذل جهد لايضاح الوضع الحالي من اجل تقديم صورة دقيقة لموقفنا في الولايات المتحدة اليوم. يبدو الموقف، من ناحية خطيرا، فقد ارتكبت المئات من الجرائم القاتمة على الكره ضد الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين في سبتمبر الماضي عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، وأودع المئات من المهاجرين حديثا الى الولايات المتحدة من العرب والفلسطينين السجن او صدرت اوامر بترحيلهم. وفي الاسبوع الحالي بدأ القائمون على تنفيذ القانون في الولايات المتحدة على امتداد ارضها في استجواب خمسة آلاف رجل تتراوح اعمارهم بين 18 الى 33 عاماً ممن دخلوا الولايات المتحدة من دول عربية واسلامية مستهدفة بعد يناير عام 2000، وبسبب هذا الوضع وبسبب رد الفعل على الحادي عشر من سبتمبر غادر ألوف من الطلاب والزوار العرب الولايات المتحدة في الشهور الاخيرة خوفاً على سلامتهم. وثارت مخاوف اضافية بفعل الاعلان عن ان الذكور العرب والمسلمين من 26 دولة سيتعين عليهم الانتظار عشرين يوما على الاقل حتى انتهاء اجراءات امنية اضافية قبل ان يسمح لهم بتقديم طلبات للحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة، وهناك اخيرا الحقيقة المتمثلة في ان استطلاعات الرأي الراهنة تظهر ان اغلبية كاسحة من الامريكيين الذكور العرب واحتجاز منتهكي قواعد التأشيرة وتشكيل محاكم عسكرية والمزيد من التدقيق مع الامريكيين العرب. اثار هذا كله مجتمعا قلقاً عاماً كبيراً في العالم العربي حول وضعية العرب والمسلمين في الولايات المتحدة. والى حد ما يمثل ما ذكرناه آنفاً صورة للاحداث التي وقعت ولاتزال تقع ولكنه يمثل جانباً من الصورة فحسب، حيث ان الواقع اكثر تعقيداً بكثير، وعندما يخترق المرء سجن الحرب وخطاب الحرب الذي يلقي بظلاله على الوضع الراهن فإن الصورة التي يتم الكشف عنها تبدو في حقيقة الامر واعدة بشكل اكبر. سياق مختلف على الرغم من الاساءات التي حدثت، ولا ينبغي ان يكون هناك شيء في انها وقعت بالفعل، فإن امريكا تظل امة ترعى القانون وتحترم مباديء العملية المترتبة على الحريات المدنية، والامريكيون على الرغم من بيانات استطلاعات الرأي الاخيرة شعب متسامح يحترم التنوع، ويلتزم بالانصاف. كيف يمكن ان يكون الامر كذلك؟ اولا، من المهم ان نتفهم سياق الموقف الذي نجد انفسنا فيه، ففي الحادي عشر من سبتمبر قام تسعة عشر رجلا بتحويل وسائل مواصلات عامة الى اسلحة للدمار الشامل، ولقي خمسة آلاف امريكي مصرعهم وتركت الامة في حالة من الشعور بالصدمة. بعد عشرة اسابيع لايزال الشعور بالصدمة وبالغضب قائمين ومعهما الخوف من ان الارهاب قد يبادر الى توجيه ضرباته مجددا، ولان المشاركين التسعة عشر كانوا جميعا من العرب والمسلمين فإن رد الفعل المتوقع كان بشعا، ولكنه كان يمكن ان يكون اشد بشاعة، لولا التدخل الفوري من جانب الرئيس ووزير العدل واعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ونجوم هوليوود والقادة المدنيون الذين تحركوا للدفاع عن الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين. وقد استبد الخوف بالبلاد وطالبت بالتحرك ومن هنا تحرك القائمون على تطبيق القانون ربما بحماس اكثر مما ينبغي لتوفير عنصري الحماية والدفاع ضد الهجمات. وأقر الكونجرس بمناقشة محدودة قوانين جديدة اعتقد انها تنتهك الحقوق الدستورية الاساسية. لكن حتى مع بدء النقاش والتحقيق في الكونجرس كان هناك دعاة للحريات المدنية رفعوا الصوت عاليا ضد انتهاكات الحقوق وقدموا الدعم لاولئك الذين القى القبض عليهم في اطار شبكة هائلة من قبل اجهزة فرض القانون. غير ان البندول بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس. ففي الاسبوع الحالي وفي ضوء القلق حيال ما يجري دعا مجلس الشيوخ الامريكي لعقد جلسات استماع لاستجواب ممثلي الادارة الامريكية حول انتهاكات الحقوق، واعلنت دوائر الشرطة المحلية الامريكية انها لن تساهم في الخطة المعلنة لاستجواب خمسة الاف من الذكور العرب والمسلمين. وشاركت الصحافة في هذا النقاش حيث فحصت بمزيد من التفصيل اوضاع من ألقي القبض عليهم وطرحت تساؤلات جادة حول الاسس التي يجري احتجازهم على اساسها. وقد شاركت في نقاشين اجريا على شاشات شبكات التلفزة الوطنية واجريت اثنتي عشرة مقابلة بمعدل مقابلة يوميا. وانضمت الينا 30 مجموعة عرقية في اطار ائتلاف يستهدف حماية الحقوق المدنية. لقد انحسرت موجة الجرائم القائمة على اساس الكراهية. وهناك في الوقت الحالي حوالي 200 قضية يجري التحقيق فيها بصورة نشطة من قبل الاجهزة الامنية، وتجري حاليا محاكمة الكثيرين ممن ارتكبوا جرائم من هذا النوع ضد الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين وألقي القبض على الشخص الذي هدد بالاعتداء على حياتي وحياة عائلتي ويجري توجيه الاتهام اليه حاليا، كما تمت مواجهة آخرين كانت تهديداتهم اقل خطورة وان كانت مخيفة وقاتلة وهددوا باتخاد اجراءات قانونية ضدهم اذا لم يعتذروا علنا عما اقترفوه. وفي يوم الانتخابات فاز مرشحون امريكيون عرب كان من المتوقع ان ينعقد لهم لواء الفوز وانتخب عربي امريكي عمدة في متشيجان ولعب امريكيون عرب ادواراً مهمة في انتخاب حاكمي نيوجيرسي وفرجينيا. بل ان تمحيصا ادق لنتائج استطلاعات الرأي من شأنه ان يكشف عن صورة اكثر تعقيدا فعندما تطرح الاسئلة بطريقة معينة كان الامريكيون يردون بتأييد الاجراءات الصارمة التي تقترحها الادارة الامريكية، ولكن الامريكيين عندما يسألون عما اذا كان ينبغي حماية حقوق الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين يردون بالايجاب. وفي حقيقة الامر فإننا نجد اننا اذا مددنا ايدينا الى مواطنينا الامريكيين فإنهم سوف يؤيدون مشاعرنا المفعمة بالقلق والخوف، وهم بدورهم يمدون ايديهم الينا ساعين نحو قدر اكبر من التفهم لجالياتنا ولثقافتنا ولتقاليدنا الدينية. صورة معقدة لقد شهدت حفل افطار اقيم في الخارجية الامريكية خلال الاسبوع الماضي وقد استضاف كولن باول وزير الخارجية الامريكي وكبار مسئولي الوزارة القادة الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين، وتحدث باول ببلاغة عن التزامه حيال الجالية والتزامه بالحوار والسلام. وكا ن وزير العدل الامريكي جون اشكروفت في وقت سابق من الاسبوع الحالي قد دعى الى افطار في المركز الاسلامي في واشنطن وتحدث بدوره عن رغبته الجارفة في العمل مع الجالية. ان مشكلات خطيرة لها وجودها بالفعل وهذا الموقف نجم من الاعمال الارهابية الخطيرة ومن عقود من الصور النمطية السلبية التي شكلت عمليات التعريف بالعرب والمسلمين، وهي عمليات تعريف جرى التأكيد عليها بصورة مأساوية من قبل الارهابيين واعمالهم. ولكن كل هذا موجود في سياق من حقائق واقعية اخرى، فهناك جالية امريكية عربية ناشئة حظيت بالاحترام وفازت بالحلفاء، وهناك امريكا عندما تحدق عبر سحب الالم نجد انها تعترف بالحاجة الى التصرف بحسب قيم اسمى. ان الصورة معقدة، وقاتمة في بعض الاحيان لكن اشعة متألقة تتخلها ونحن جميعا نواجه تحديات هائلة وفرصا عظيمة. واذا تحركنا نحو هذه الفرص فإن السحب القاتمة ستنجلي. لقد روعنا نحن العرب الامريكيين شأن كل مواطنينا الآخرين حيال الفزع الذي شهده الحادي عشر من سبتمبر، ونحن نرغب في العمل معاً للقضاء على من يعملون على استدامة هذا الشر ضد مواطنينا، ومن هنا فإننا ملتزمون بالتعاون مع الجهد القومي، وفي الوقت نفسه فإننا نجد انفسنا على نحو غير مريح في بعض الاحيان في دور مثير للجدل وكأمريكيين فإننا نتساءل عن الكيفية التي يجري بها التحقيق ونشعر بالقلق ازاء ما نراه من انتهاكات للحقوق، ونحن مقتنعون بأن التحقيق والحملة ضد الارهاب يمكن ان يمضيا قدما وان ينجحا من دون انتهاك لحقوق يجري التمسك بها باعتزاز دستوريا. ونحن نتفهم بطريقة ما ان عبء الدفاع عن الدستور قد وقع على كاهلنا. عندما بدأ هذا الصراع، ابلغ الرئيس بوش الامة بأن ما تواجهه هو حرب من اجل قيمنا ومن اجل حريتنا، ونحن نعتقد ان هذاصحيح، ولسوف ندافع عن هذه القيم وتلك الحريات واثقين من اننا اذ نمضي قدما فإننا نكسب المزيد من الحلفاء الى جانبنا، وامريكا التي ستبرز من هذا الصراع الكبير لن تكون اكثر امناً فحسب بل ستكون مكاناً افضل. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي