يجمع المراقبون على ان تحويل «الرؤية الامريكية» الجديدة في شأن قيام «دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة» من مجرد كلام مرتبط بظروف تشكيل تحالف دولي ضد الارهاب تقوده واشنطن، الى حقيقة قائمة، لايتوقف فقط على احداث تفسير في الموقف الاسرائيلي المعارض لاي تسوية عادلة وشاملة للمشكلة الفلسطينية، بل يتوقف اساسا وقبل اي شيء آخر على قيام الولايات المتحدة بمراجعة كاملة وجذرية لسياستها حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي تم التدخل بقوة لوضع الامور في نصابها الصحيح، انطلاقا من منظور جديد ودور حَكم محايد ونزيه. وهذا الشرط الرئيسي ليس ناشئا فقط عن تجارب الخمسين سنة الماضية، التي اتسمت بانحياز امريكي كامل لاسرائيل، ودعم غير محدود لمشاريعها التوسعية العدوانية، وانما ايضا عن قراءة موضوعية لملابسات ولادة «رؤية باول» التي حملت اسم مقدمها وزير الخارجية الامريكي كولن باول. ففضلا عن التعديلات التي ادخلت على خطاب «الرؤية» تحت تأثير ضغوط اسرائيلية، خفية ومعلنة، انطوت المبادرة على خلل معيب بسبب انعدام التوازن بينها. اذ ترك للحكومة الاسرائيلية حرية التقدير والتصرف بالنسبة للعديد من عناصرها الرئيسية، كما حوصر الموقف الفلسطيني في زاوية ضيقة جدا حيث اعتبر كل عمل مناهض للاحتلال الاسرائيلي تحركا ارهابيا غير مبرر على الاطلاق. كان هناك حرص واضح في «الرؤية الامريكية» على ادانة الانتفاضة الفلسطينية ومطالبة الفلسطينيين بالتبرؤ منها وليس وقفها فحسب وذلك بعدما صنفت بانها «ارهاب موجه ضد اسرائيل» وعندما كان كولن باول يتحدث عن الانتفاضة او يخاطب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بدا وكأنه يتوجه في خطابه الى تنظيم «القاعدة» واسامة بن لادن او هو على الاقل تعمد الايحاء بوجود تشابه بين الاثنين والحالتين، ما يتعين على الادارة الامريكية اتخاذ موقف مماثل ازاء الحالتين. وبالاضافة الى ذلك حمل مسئولو الادارة الامريكية الجانب الفلسطيني مسئولية اعمال العنف التي وقعت خلال عام كامل، حيث اعلنوا ان «الارهاب والعنف» هما اللذان اوقفا العملية السياسية واديا الى تآكل الثقة بين الطرفين وهم بذلك برأوا اسرائيل تماما من اي مسئولية عن التدهور الامني الذي حدث في اعقاب قيام ارييل شارون بزيارته الاستفزازية الى باحة المسجد الاقصى في 28 سبتمبر من العام الماضي، وبعد امتناع اسرائيل عن تنفيذ الاتفاقات المرحلية الموقعة بين الطرفين واصرارها على الاحتفاظ بما تبقى من الاراضي الفلسطينية المحتلة. الجديد في «الرؤية» ولعل النتيجة الاولى لهذه «الرؤية» المتميزة، كانت حملة التصعيد العسكرية التي نفذتها حكومة شارون في الآونة الاخيرة ضد ناشطين فلسطينيين ومدنيين من مختلف الاعمار وضد المناطق الفلسطينية في صورة عامة. واذا كان المقصود بذلك تسجيل هزيمة الانتفاضة قبل اخمادها لاظهار عدم جدوى اللجوء الى المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، فان هناك من يذهب في استنتاجاته الى حد الاعتقاد بان هدف التحرك الامريكي ينحصر في انهاء الانتفاضة وهو ما يركز عليه «تقرير ميتشل» ايضا وبعد ذلك تستعيد اسرائيل المبادرة تماما ثم تكتفي لاحقا بممارسة اسلوب المناورات والمماطلة كما كان الحال دائما. وقد يكون الثمن الظاهري المقابل هو انسحاب القوات الاسرائيلية الى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل الثامن والعشرين من سبتمبر وتخفيف الحصار المفروض حول مناطق السلطة الفلسطينية للايهام بان تغييرا مهما حدث بفضل التدخل الامريكي. تم ظهر تميز الادارة الامريكية واضحا تماما من خلال اصرار الرئيس جورج بوش على رفض لقاء الرئيس ياسر عرفات الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في حين استقبل رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون مرتين واستمع اليه باهتمام، كما سيستقبله مرة ثالثة مطلع ديسمبر الحالي فكيف يمكن المراهنة على دور امريكي محايد ونزيه، بينما ادارة بوش تستمع الى احد طرفي الصراع وهو الطرف المعتدي بينما ترفض الاستماع الى الطرف الآخر المعتدى عليه؟! وعلى الرغم من ان باول اشار في «رؤيته» الى النشاطات الاستيطانية باعتبارها «قوضت الامل والثقة عند الفلسطينيين» لكنه تجنب اعلان موقف امريكي واضح وحازم منها، مكتفيا بالاستشهاد بما ورد في «تقرير ميتشل» عن ضرورة «وقف هذه النشاطات» والادارة الامريكية تدرك تماما، وهي تتصدى لهذه المهمة، ان تواصل النشاطات الاستيطانية في حد ذاته، يعتبر سببا كافيا لتقويض العملية السلمية ومنع استئنافها، لابل ان المستوطنات كلها، التي تنتشر في جميع انحاء المناطق الفلسطينية، تحول تماما دون قيام الدولة الفلسطينية التي تحدث عنها الرئيس الامريكي جورج بوش ثم وزير خارجيته كولن باول. وبرغم توافر الادلة على تسارع وتيرة النشاطات الاستيطانية في اعقاب قيام حكومة شارون، لم تحاول الادارة الامريكية ممارسة اي ضغط على اسرائيل، من اي نوع كان، لوقف هذه النشاطات، او الحد منها على الاقل، الامر الذي يحول دون معالجة المشكلة في صورة جذرية، وبالتالي دون الوصول الى التسوية المطلوبة. وعند التمعن في مضمون «الرؤية الامريكية» الجديدة لانرى فيها من جديد سوى التأكيد على اهمية قيام «دولة فلسطينية قابلة للحياة» ثم ابراز اضرار النشاطات الاستيطانية وضرورة وقفها، كما يدعو «تقرير ميتشل» اما النقطة الثالثة، والجديدة تماما، فهي تسمية الاحتلال الاسرائيلي باسمه، من دون مواربة، وهو امر يحدث لاول مرة. لعبة المسارات وفيما يتعلق بالقرارين 242 و 338، لابد من التذكير بان مسيرة مدريد التي انطلقت عام 1991 برعاية امريكية كاملة (خلال عهد جورج بوش الاب وما بعده)، استندت اليهما وفقا لمبدأ الارض مقابل السلام، ولكن ماينبغي تسجيله هنا هو ان «رؤية باول» ربطت بين هذه العناصر كلها لتؤلف منها «رؤية جديدة» متقدمة قليلا (من الناحية النظرية على الاقل) عن كل ما سبق في الطروحات الامريكية المعلنة، انما دون ان تشكل خطة حل متكاملة، او مبادرة مبرمجة وفق آلية زمنية محددة. وباختصار فهي تعتبر مجموعة افكار تحتاج الى موقف سياسي واضح وحازم من الادارة الامريكية حتى تتحول الى مبادرة او خطة قابلة للتنفيذ، والا سيكون مصيرها كمصير اتفاقات اوسلو التي تفككت وتلاشت بفعل المناورات والمماطلات الاسرائيلية المتواصلة. اما الاشارة الواردة في «رؤية باول» الى المسارين السوري واللبناني فانها لا تعني شيئا كثيراً، اولا بسبب الاعتبارات السابق ذكرها (الموقف الامريكي)، وثانيا، لان هدفها قد يكون المساومة علي الموقفين السوري واللبناني من قضايا محددة متصلة بحملة مكافحة الارهاب، لاسيما بالنسبة لوضع منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي تنشط في البلدين وتريد واشنطن تصنيفها على انها منظمات ارهابية، وربما تتوسع المساومة لاحقا لتشمل موضوع ضرب العراق. علما ان ماينبغي التوقف عنده، في اطار مناقشة «الرؤية الامريكية» الجديدة وظروف ولادتها المتعثرة، هو ان ادارة الرئيس جورج بوش تعتبر الالحاح العربي والاسلامي على معالجة القضية الفلسطينية وفي الظروف الراهنة تحديدا، نوعا من الابتزاز السياسي، نظرا لارتباطه الى حد ما، بالموقف العربي من التحالف الدولي ضد الارهاب. والاستنتاج الامريكي، كما جرى التعبير عنه بوسائل واشكال مختلفة، ليس صحيحا بالمرة فالموقف الراهن لايعدو ان يكون محاولة جديدة للتأكيد على ان المشكلة الفلسطينية هي اساس كل المشاكل في المنطقة والمصدر الرئيسي للعنف، ومن دون معالجة هذه المشكلة وايجاد حل عادل وشامل لها فان كل جهود مكافحة الارهاب لن تحقق اهدافها المنشودة فكيف يمكن القضاء على الارهاب، بينما الارهاب الاسرائيلي يستفحل في قلب المنطقة، وفي حين تتضاعف وطأة الظلم الذي استهدف الشعب الفلسطيني منذ اكثر من خمسين عاما. وبالتالي فان التمييز بين الارهاب العالمي والارهاب الاسرائيلي، وجعل الاول ارهابا مرفوضا والثاني ارهابا مقبولا، او مسكوتا عنه، هو مشكلة امريكية بالدرجة الاولى ولا يجوز تحويلها الى مشكلة عربية، او اسلامية اكراما لاسرائيل، او خوفا من ضغوط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. حصاد جديد! من المؤكد انه ليس هناك اي خلاف بين الدول العربية والدول الاخرى، بما فيها الولايات المتحدة، حول توصيف هجمات الحادي عشر من سبتمبر، او في شأن ادانتها، باعتبارها عملا ارهابيا، انما الخلاف يتناول وسائل معالجة هذه الظاهرة المخيفة، خصوصا في منطقة الشرق الاوسط، حيث العدوان اوالتوسع الاسرائيليين ابرز عناوينها وتعبيراتها المباشرة المستمرة ومن المؤسف فعلا ان الولايات المتحدة تتعمد اشاحة وجهها عن هذه الحقيقة ثم تتصرف بمعزل عنها، او بما يتناقض مع موجباتها الفعلية. فالدول العربية، التي تؤكد انها ضد الارهاب بجميع اشكاله، لا تستطيع ان تستثني الارهاب الاسرائيلي، وكذلك الاحتلال الاسرائيلي الذي يتسبب بكل اعمال العنف في المنطقة، كما تفعل الولايات المتحدة. وحيال ذلك فان الموقف الحري بالمراجعة والتصحيح هو الموقف الامريكي بالذات ، وليس الموقع العربي، ومن دون حدوث هذه المراجعة لن يكون في وسع اي جهد دولي ان يصل بمكافحة الارهاب الى حدودها واهدافها المطلوبة، بالرغم من الحشد الامريكي الهائل، والهيمنة الامريكية المتزايدة على العالم. ان المشكلة الحقيقية تكمن في التجاهل الامريكي المتعمد لدوافع الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وآلته القمعية، حيث غدا الاحتلال عملا مشروعا، بينما ينظر الى مقاومة الاحتلال على انها سلوك ارهابي تجب ادانته والتصدي له بقوة فكيف ستستقيم الامور في المنطقة وتصبح معالجة مشاكلها الرئيسية ممكنة، اذا لم تعمد الولايات المتحدة الى مراجعة سياستها واحكامها المسبقة، بدلا من الاندفاع الاعمى في تبني المنظور الاسرائيلي وكل الاعمال العدوانية الصادرة عن الدولة العبرية؟ لقد حرصت الادارة الامريكية بعد هجمات 11 سبتمبر على نفي وجود اي علاقة سببية بين القضية الفلسطينية والهجمات التي استهدفت واشنطن ونيويورك، وذلك يعود الى رغبة فريق نافذ في هذه الادارة في استبعاد العامل الاسرائيلي، وصرف الانظار عن حالة الغليان المستمرة في منطقة الشرق الاوسط وتأثيراتها المختلفة، بفعل التصعيد الاسرائيلي. مع كل ذلك، لابد من انتظار نتائج مهمة المبعوثين الامريكيين الى المنطقة الجنرال انطوني زيني (مستشار وزير الخارجية) ووليام بيرنز مساعده لشئون الشرق الاوسط، لمعرفة الاسلوب الذي ستعتمده الادارة الامريكية في معالجة الموقف. فاذا كان المسعى الامريكي سينحصر في الضغط على الجانب الفلسطيني لانهاء الانتفاضة (وفقا لخطة تينيت وتقرير ميتشل) من دون الضغط على اسرائيل، ولاسيما بالنسبة لوقف النشاطات الاستيطانية، ثم محاولة فتح افق سياسي يؤشر لتطور جديد مختلف في السياسة الامريكية، فمعنى ذلك ان الادارة الامريكية تحاول خداع الفلسطينيين والعرب مرة اخرى، بعد عشر سنوات من الحصاد المر لمسيرة مدريد. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا