قبل فجر الثلاثين من نوفمبر عام 1971 كانت الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى تغط في هدأة الريح لا صوت يؤرق القاطنين بها سوى صوت النسيم العليل وصوت الموج المرتطم بسواحلها وهدير مكائن السفن الذاهبة اليها والخارجة عنها، كانت الجزر الثلاث تتأهب لاستقبال الفرحة الكبرى، فرحة قيام اتحاد الامارات لترفع علم الوحدة فوق بيوتها ونخيلها وتلالها وسهولها، كانت تتهيأ لليلة الحناء وليل العيد وليل الفجر الجديد الذي سيجلب معه حياة الرخاء لاولئك الذين يعيشون وسط مياه الخليج كحراس على بوابته الرئيسية.. قبل ذلك الفجر الذي ما اشرقت فيه شمس كانت جزيرة ابوموسى تسرح اطفالها وأولادها وبناتها الى مدرسة مشتركة يتعلمون فيها كيف يعدون انفسهم لايام ستتطلب منهم ان يمدوا سواعدهم الى تراب الجزيرة الاحمر لتعميره، كان بالتأكيد هناك من يحلم بمدرسة كبيرة حديثة غير تلك الطينية، وبالتأكيد كانت هناك ام تحلم بمستشفى يوفر الصحة لاطفالها، واخرى تحلم بحديقة ملأى بالالعاب ذات الالوان المشرقة، واخرون يحملون بميناء حديث يصدر اسماكهم وثروات بحارهم الى بقاع العالم، واخرون يحلمون بمصنع يستثمر التراب الاحمر في جبل «المغر» على حافة الجزيرة الشرقية.. بالتأكيد كان قبل ذلك الفجر احلام كبيرة ولدت حول اضواء القناديل الصغيرة. قبل ذلك الفجر الذي ضرب بأطناب الحزن ثلاثين عاما في تراب ابوموسى وتراب طنب الكبرى وطنب الصغرى، كانت ابوموسى تحتضن فوق ترابها اكثر من 900 نسمة يعيشون في حي متآلف، يعيشون كعائلة واحدة، وكانت سفرة الافطار في رمضان سفرة الحي كله، كان هناك الصياد ابوحمد الذي نذر صيده لعجائز الحي وعواجيزه صدقة جارية، وكان رفقاؤه الصيادون العتاة يجلبون الاطنان من الاسماك الثمينة ويصدرونها الى كل السواحل المجاورة، لم يضنوا ولم يبخلوا به على احد فقد علمتهم امواج الخليج التي تلف جزيرتهم ان من يأتي اليها من جميع الجهات هو لائذ من العناء بهم. قبل ذلك الفجر الاسود كانت ابوموسى تنبت في برها الاصفر اشهى انواع «الفقع» وكانت ابارها حلوة ومشاعة لكل المارين.. كانت النخيل وابتسامات الصغيرات عند اطراف الجدران الطينية للبيوت، وكان حارس الفرضة جاسم عند الغروب يدخن غليونه بشراهة وهو يراقب المدى البعيد وكأنه يحرس سقوط شمس اليوم في الغروب البعيد. كان دائما يقول غدا تشرق وكأنها العروس. في طنب الكبرى ذات الرطب الشهي، وطنب الصغرى ذات النوارس الحادة الطباع كانت احوال مشابهة لشمس تغيب لتشرق من جديد.. halyan@albayan.co.ae