اليوم .. بلغ صديقي الأربعين، وصل إلى قمة العمر ولا يزال متمسكاً بطفولته التي تهتف له من بعيد. مضت السنون بغمضة عين، لكنها أيضاً حفرت عميقاً في نفسه، صخبها وسكونها، حرارتها وصقيعها، جدّها وعبثها، حبّها وحروبها، صداقاتها وخصوماتها.. بعد انقضاء تلك السنين يعيد وصل ما انقطع مع الذاكرة التي أثقلها بالكثير من المنى والآمال، فيما هو الآن يعيش اغترابه القسري عن المطارح الأولى. حتى يومه هذا وإلى ما سيأتي من أيام، ولو اختلطت في ذاكرته الهموم التي أخصبها الترحال يجتاحه ذلك الشعور في الانسحاب إلى الوجد الصافي، وفي كل مرة يحدثني عن تداعيات شوقه وحنينه ويرميني هناك، على مرمى حجر، فوق مرتفع تغطّيه حقول خضراء، يطلّ من قريته على مدينة صور بزرقة بحرها التي ارتسمت واجهة عشق أزلي في عينيه منذ كان صغيرا. علاقة ودّ قديمة جمعته بهذه المدينة البحرية، وفيما كانت «صور» نافذة لهؤلاء الريفيين بمدارسها ومتاجرها ومظاهرها المدنية الأخرى، شكلت قريته الصغيرة وأخواتها ملاذاً لأهل صور في أيام الفرح وأوقات الشدة.. الشّدة التي كان مصدرها دائماً همجية الاحتلال. بعد كل هذه السنين، يتراءى في مخيلته شريط من ذكريات هذه المدينة الموغلة في التاريخ، البحر يتهادى على بعد أمتار منها، سدّه الأسمنت بعمارات وأبنية وخنق الأفق، وساحات «صور» من «البوابة» إلى «الرمل» و«حارة النصارى»، تضجّ ذاكرة ماضيها بأبواق الحافلات وأصوات السائقين.. كانت جميلة وفيها مذاق الحنين والوجع. كان يقصدها في الأعياد صغيراً، ليشاهد أفلام السينما، ويلعب بالأراجيح، فيما «الباص» المدرسي الذي كان يقلّه وأترابه إلى المدرسة الثانوية، يتراءى أمامه الآن، وهو ينساب على طول الشاطئ. وأحلام البحر، رفرفات أجنحة تارة، وقوارب الصيادين أو شباكهم تارة أخرى، وما بقي من قناطر الأبنية العتيقة في الحواري القديمة غاب في ظلال الأبنية الحديثة، وربما اليوم أناس كبروا ولا يزالون يشرقون بأصواتهم وسواعدهم، وهم عند عتبة الحاضر، يزرعون الحوانيت والمقاهي الصغيرة ذهاباً وإياباً وقد أثقل الزمن خطواتهم. يحدثني عن «صور» اليوم، بعد خمس سنوات من اغترابه، مدينة ملتزمة بفرادة شخصيتها وشخوصها وبعض شجون باتت فولكلوراً نكاد نلتقطها يومياً مع رشفة قهوة الصباح في المقهى البحري القريب من آثارها الرومانية، أو عند المقهى الذي لا يزال مكانه في محطة التاكسي. ويبقى في هذه المدينة التي تكبر على مهل، حلم الرابحين والخاسرين وأوراق اليانصيب تزرع الأيادي آمالاً، والذي يعرف ساحة البوابة نهاراً يكاد يمحو من عينيه مشاهد كثيرة تختفي ليلاً لتضيء مشاهد جديدة على الشاطئ الرملي البديع الذي يلتف حول خصر المدينة. ليل صور جميل وممتع، خاصة وأنت تسير على ذلك «السنسول» البحري الذي يهجره الصيادون حينما يحل الظلام.. ظلال خفيفة على صفحة الماء فيما القمر المكتمل يعبر بين غيمة وغيمة مرسلاً ضوءه الشفيف ليذكرك بأغنية طالما زيّنت سهراتنا.. «نحن والقمر جيران» وفيروز كأنها تتجسّد أمامك على موجة ما تنشد بصوتها الجارح عذوبة ورقة. منذ عشرين عاماً، كان يألف المقهى المجاور للمدرسة الثانوية، هناك كانت متعة الجلوس، ولا يعرف إذا ما تغيّرت الأمكنة أم بقيت على حالها؟ في ذاك المقهى، إدمان الشاي والقهوة والحوارات الخاشعة بين عاشقين، أو لذة الاستئناس في الركن الهادئ، وابتسامة العاملين الذين أصبحوا أصدقاء، شخصيات المكان بفرادة الطرافة والشكل والنعاس المعلّق بأهداب العيون. «صور» تكاد تكون عائلة، فهي أكبر من بلدة وأصغر من مدينة، حكاياتها تدور في فلك ضيّق، أناس ننتظرهم كل يوم، نسأل عنهم.. نعلّق.. نضحك، كانت المفردات مألوفة والتعليقات أيضاً. نهار «صور» ومساؤها وليلها تجمعنا بأناس نعرفهم، أو لا نعرفهم.. شعراء، ممثلون، صحفيون، حرفيون، أصحاب حوانيت، باعة متجولون، متسولون، ورجال يحملون زوّادة الانتظار، ويُغرقون السائل عن عاملٍ بماطر الكلام. في غمرة الاستكانة لذكرياته، يجلس على مقعد في شرفة منزله الغريب، يراقب حركة الطائرات الآتية والمغادرة، فيما روحه تندفع باتجاه مساحات الذاكرة الخصبة وصور العين واليوميات لتعيد إحياء الأمكنة والقاطنين فيها. حين نبّهه الزمن إلى ذاته، تمنى لو يستطيع العيش مع كل أحبته بقية عمره. Email: Ismail_haidar@yahoo.com