عرفت العرب منذ أزمنة غابرة اصابع زينب مثلما عرفت الخبيص والفالوذج، وجميعها تنتمي الى فصيلة الاطباق الحلوة، وتداخلت منذ عصر الفتوحات بأقوام وثقافات وعادات وأنماط مختلفة في المأكل والمشرب فغرفت منها الكثير وأعطتها وألبستها بدورها مما عرفته واكتسبته. واليوم ونحن في شهر الصيام ننام ونصحو على أسماء لأطباق عجيبة، وغريبة، خاصة وأن الفواصل تلاشت والحدود امتدت وأصبحت هلامية وشفافة لدرجة مثيرة، فالبيتزا الايطالية اصبحت بحكم الاحتكار علامة تجارية امريكية يتغنى بها الامريكيون، وأصبحت الشاورما التي يعرفها الشرقيون جيدا ألمانية بحكم الحقوق الفكرية، وهكذا.. الا ان المثير الآن ما يفرزه زمن الفضائيات والأجواء الاعلامية المفتوحة التي تتصدرها اخبار الفضائح السياسية في اعادة رسم الثقافة البصرية او الالتقاطية، ففي يوم ما اصبحت مونيكا لوينسكي صاحبة فضيحة البيت الابيض مشروبا مفضلا للصينيين بعد ان طرحت احدى الشركات مشروبا غازيا اطلقت عليه اسم مونيكا، وكانت شركة اخرى قد طرحت اصابع شوكولا اسمته مونيكا مما يعني صياغة جديدة للذائقة الانسانية. ومن هذا الباب الذي يعتمد على التقاط ما يثير الناس ويروي غرورهم يعمل الكثيرون، فها هم المصريون الذين اعتادوا على اطلاق الجديد والغريب والمثير على السلعة التي يبيعونها يدخلون من بوابة الاسماء لطرق آذان المشترين.. ومن الاسماء المثيرة التي بدأت تتردد في الاسواق المصرية وبين المواطنين المصريين وهي عادة دأبوا عليها خلال شهر الخير والرحمة من تلك الاسماء ابن لادن وطالبان وبوش وهي لأنواع من التمور.. والغريب ان التمر ماركة ابن لادن يباع بخمسة عشر جنيها فيما يباع التمر ماركة بوش بثلاثة جنيهات فقط. وكان المصريون قد اعتادوا على اطلاق ما هو جديد على اشياء وأمور قد تبدو عادية، ففي اثناء ازمة الخليج اطلقوا على اصناف من السيارات والأطباق اسماء مثل عاصفة الصحراء وباتريوت والشبح، وفي رمضان الماضي اطلقوا اسماء المطربات على اصناف من التمور لترويجها وشد الانتباه اليها فأكلت ليلى علوي وشريهان وفيفي عبده ودينا وغيرهن من تلك الاسماء الفنية، واليوم يتفنن المصريون من جديد في رسم صورة اخرى للترويج ولا أدري هل تدخل قندوز وقندهار ضمن الاسماء الجديدة لبعض المأكولات ام يكتفون باطلاق اسم الفنان محمد هنيدي على البلح القصير. وقبل هذا وذاك عرفت العرب من الاسماء المثيرة الكثير، فقد سميت المتوكلية بالمتوكل وسميت المأمونية بالمأمون، ولا أدري ان كانت المهلبية منسوبة الى المهلب او غير ذلك. وكان العرب يترنمون كثيرا بأصابع زينب وهو ضرب من الحلوى يعمل ببغداد يشبه اصابع النساء المنقوشة وكانوا يفضلونه على غيره من اطباق الحلو حتى انهم قالوا فيه الشعر: فما حملت كف امريء متطعما ألذ وأشهى من أصابع زينب ويبدو ان اصابع زينب التي عرفها العرب سيأخذها الامريكيون وسيحولونها الى اصابع مونيكا، مثلما حولت اغلب الكافتيريات في الدولة اسماء نجوم الكرة وطوعتها للشرب، ومن يأخذ جولة في تلك الكافتيريات سيجد في قائمة العصائر اسم مارادونا ورونالدو وزيدان وبيليه بجانب الطلياني وفهد خميس ومحمد علي ومحسن مصبح ولا نستغرب إذا أضيفت الى تلك القائمة اسماء جديدة من الدوري خاصة وأنه يزخر بالنجوم بعد عودة اللاعبين الاجانب وتدفق روح المنافسة فيه. ومن حكايات الاكل والشرب ان ابن قرعة دخل يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه، فقال: ما بال مولانا ليس يدعوني الى الفوز بأكل الموز، فقال: صفه حتى اطعمك منه، فقال: ما الذي اصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية، كأنها حشيت زبدا وعسلا، اطيب الثمر كأنه مخ الشحم، سهل المقشر، لين المكسر، عذب المطعم بين الطعوم، سلس في الحلقوم، ثم مد يده وأكل. وحضر اعرابي على مائدة بعض الخلفاء، فقدم جدي مشوي فجعل الاعرابي يسرع في اكله منه، فقال له الخليفة أراك تأكله بغضب، كأن امه نطحتك، فقال أراك تشفق عليه وكأن أمه ارضعتك! وسأل الرشيد احدهم عن الفالوذج واللوزينج ايهما اطيب فقال: يا أمير المؤمنين لا اقضي على غائب، فأحضرهما اليه فجعل يأكل من هذا لقمة، ومن هذا لقمة ثم قال يا أمير المؤمنين: كلما اردت ان اقضي لأحدهما اتى الآخر بحجته! عموما بين اصابع زينب اللذيدة ومشروب مونيكا ظهرت ليلى علوي ودينا وفيفي عبده فهل تشهد الأيام القليلة الباقية من الشهر الكريم أسماء مشاهير آخرين وقد أطلقت على اطباق رمضانية؟ كل شيء ممكن!!