وأخيرا يبدو أن الجدل الأمريكي حول العراق داخل ادارة بوش قد حسم لصالح دعاة القتل العمد. ورغم ان الرئيس بوش توخى اسلوب التلميح عندما تحدث عن العراق الاسبوع المنصرم في مؤتمر صحفي الا انه كان تلميحا اقرب الى التصريح. والآن، وبينما تشحذ واشنطن السكاكين ـ كما يبدو ـ فان الشعوب العربية تتطلع الى حكوماتها لتتعرف على رد فعلها. لقد تحدث الرئيس بوش عن «عودة» مفتشي الاسلحة الدوليين الى العراق في سياق تهديدي استدراجي قرن فيه بين ظاهرة «الارهاب العالمي» وتملك اسلحة الدمار الشامل. والمعادلة الاستفزازية التي خرج بها الرئيس الأمريكي هي: على بغداد ان تسمح بعودة المفتشين الدوليين للاستوثاق مما قد يكون للعراق من مخزونات مواد وأسلحة الدمار الشامل، والا.. ويبدو ان الرئيس افترض ان تكملة صيغة المعادلة معروفة على خلفية اسراب الطائرات الأمريكية التي تجوب اجواء افغانستان وتصب الحميم. ولكن لماذا وقع اختيار بوش على مسألة عودة المفتشين كذريعة؟ في غياب ادلة يمكن ان تربط بين بغداد واسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة» او حركة طالبان في اطار احداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن يبدو ان الادارة الأمريكية توصلت الى ان اسلحة الدمار الشامل يجوز ان تعرض على العالم كمسألة ارهابية. ثم ان الادارة الامريكية تعرف، كما يعرف العالم أجمع، ان الرئيس صدام حسين يرفض بعناد عودة المفتشين الدوليين ما لم يقترن ذلك بالغاء كامل ونهائي لنظام العقوبات المفروض على العراق لمدى السنوات العشر الاخيرة. وبما ان عملية التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق تنبثق من قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي فانه ربما تراءى لادارة بوش ان الدول الاعضاء الاخرى الرئيسية في المجلس قد تتحرج من رفض اقتراح امريكي بعودة المفتشين الى العراق على أساس ان هذا الرفض سوف يجعلها تظهر بمظهر من يعارض الشرعية الدولية. ما هو اذن الموقف المطلوب عربيا؟ حتى قبل التهديد التلميحي الصادر عن الرئيس بوش الاسبوع الفائت ظلت الشعوب العربية تسمع تصريحات وبيانات من العواصم العربية تحذر من «توسيع الحرب ضد الارهاب» لتشمل العراق. وهذه التصريحات والبيانات تجددت كرد فعل على تهديد بوش الاخير. فالى أي مدى يمكن ان يكون الموقف العربي الذي تعكسه هذه التصريحات والبيانات ذا مصداقية؟ لقد كانت تصدر تصريحات وبيانات مماثلة عن افغانستان قبل ان تندلع الحرب الامريكية ضد حركة طالبان. ولكن ذلك لم يمنع تأييدا عربيا للحرب عندما وقعت بالفعل. نحن اذن ازاء مشكلة مصداقية. ومن المتاح للعرب التغلب على هذه المشكلة الآن بشأن العراق اذا انتقل الموقف العربي المعلن من دائرة القول الى دائرة الفعل. كيف؟ ان الدول العربية تدرك كما يدرك غيرها من دول العالم كله بما في ذلك الولايات المتحدة انه حتى لو صح الادعاء بأن العراق لايزال يحتفظ بمخزونات من اسلحة الدمار الشامل فانه ليس الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الاوسط التي تمتلك مثل هذه الاسلحة الفتاكة. هناك اسرائيل التي يقدر ما تملكه من السلاح النووي وحده بنحو 200 رأس نووي. فلماذا لا تتقدم مجموعة الدول العربية بمشروع قرار جماعي الى مجلس الامن الدولي يطالب بتعميم التفتيش الدولي عن أسلحة الدمار الشامل على دول المنطقة كافة بما في ذلك اسرائيل؟ عندئذ سوف تدرك الولايات المتحدة خطورة اثارتها لمسألة اسلحة الدمار الشامل.