أخيرا توصل العلماء الى حل أعوص مشكلة تواجه البشرية أصبحنا على أعتاب اليوتوبيا التي حلم بها أجدادنا الفلاسفة والشعراء انتهى الشر واختفت الحروب فقط الحب، والحب لا غير هي ثورة حقيقية جديدة أهم كثيرا من اكتشاف النار، والثورة الصناعية، وثورة المعلومات. لم يعد أمام السياسيين والجنرالات سوى أن يبحثوا عن عمل آخر!! كل إنسان سوف يولد ومعه الكتالوج الخاص به، حيث كل شيء محدد وبدقة: مواعيد الصيانة الدورية، نوعية الزيت والوقود المطلوبة، مدة الصلاحية، سوف تقام مصانع تتولى تصنيع جينات على الموضة، وتنتشر بوتيكات لبيع أنواعها المختلفة، فقد تكون الموضة وجها بعين واحدة أو بلون لكل عين، أو بثلاثة أفواه، أو برأسين أو أربع أذرع، ولن يكون غريبا أن نجد طوابير أمام محطات خاصة لضبط التوازن والفرامل مثلما يحدث الآن مع السيارات، أو أن تسمع زوجة تهدد زوجها بأن تخرب جيناته أو تدعو على أولادها بأن يقطع الله جيناتهم، وستجد الزوج الصالح لا يعود الى بيته إلا وهو يحمل في يده كيس جينات برتقال أو ربع كيلو جينات خروف. ولن يكون أطفال المستقبل في حاجة للذهاب الى المدارس، فلسوف يولدون وعقولهم محشوة بكل ما يلزم وما لا يلزم من معلومات، ولن يحتاج أحد للحديث مع الآخر إلا بنفس حاجته للحديث مع نفسه، فكأنه ينظر في المرآة، وقبل أن يفتح فمه يكون الآخر قد عرف الموضوع، وبدوره عندما يوشك أن يرد، سيدرك الأول مشتملات الرد، سيكفي أن ينظر كل واحد للآخر، وربما توصلت الهندسة الوراثية الى ما هو أبعد من ذلك، حيث لا يحتاج الانسان للحركة أو ركوب السيارات والطائرات، فيكفيه أن يغمض عينيه ويتخيل المكان حتى يصبح فيه ويشعر بكل شئ ويسمع كل شئ دون أن يتحرك من فراشه. وبالطبع ستكون هناك جينات طائرة مثل الفراشات في الجو، وسيقول الحبيب لحبيبته: أشعر أن جيناتي تتوافق مع جيناتك، فتجيبه بدلال: أنا جيناتي مستوردة من باريس، وبعد الزواج يتفقان على ارسال خلطة مناسبة من جيناتهم الى طوكيو، لأنهم أكثر دقة في الصناعة التجميعية، وسيعلن رئيس الوزراء أن الدولة لديها خطة طموحة لإنشاء مزارع لتسمين الجينات، وفي حين ستتلقى مراكز الشرطة بلاغات من مواطنين عاديين بشأن تعرضهم لسرقة جينات ثمينة، وستجد طفلا يختطف جينا من طفل آخر، وامرأة ـ حفيدة تلك التي أكلت ذراع زوجها ـ تعض زوجها من جيناته ، وسوف تنتهي كل مباريات كرة القدم بالتعادل بسبب التكافؤ الجيناتي. عباقرة ومغفلون قال الرئيس الأمريكي كلينتون متعجبا: اليوم نتعلم اللغة التي خلق الله بها الحياة، وهلل الناس في كل أنحاء المعمورة لهذا الاكتشاف الجديد، ولكن يبدو أن المسألة لم تكن تشكل مشكلة بالنسبة للرئيس الأمريكي حيث أنه كان في نهاية فترة الرئاسة الثانية، بينما يهدد الاكتشاف الجديد كل السياسيين بالتقاعد حيث ستنتهي الكراهية بين الشعوب، وربما أمكن نزع جينات حب الأوطان فتختصر محادثات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وسيكتشف البعض أن جينات المقاومة قد تم اكتشافها منذ فترة، وتمت السيطرة عليها ونزعها من الخلايا وستكون فرصة لتحقيق العدالة في توزيع الجينات القيادية، حيث يتم الاتفاق الودي داخل المجتمعات على توزيعها بشكل عائلي ولفترات محددة، وهكذا يمكن لكل العائلات أن تضمن في تاريخها ظهور بعض القيادات، وهكذا يتلاشى الحسد والحقد، ويشعر الجميع بالمسئولية المشتركة كل ذلك ممكن ومحتمل وقد يكون مفيدا إلا أن ذلك ليس مطلقا. فلابد أن رجال العصر ما قبل الجيناتي لن يرضيهم هذه الحالة المثالية للعالم، فكيف يحب رجل امرأة تتماثل معه في كل شئ الى درجة التطابق شكلا وموضوعا، كيف نتصور مجتمعا خاليا من الشر؟ لابد أنه سيكون مجتمعا مملا، ولابد أنهم حينذاك سوف يخترعون جينات تحمل صفات النصب والاحتيال والاستغلال والنفاق، فلا يستطيع المرء أن يأكل صحنا واحدا كل وقت والى آخر العمر ثم ماذا يفعل أهل السياسية؟.. هل يقبلون التقاعد أو البحث عن وظيفة أخرى؟ ثم كيف نتخيل مجتمعا دون مغفلين؟ إنهم ضرورة لاستمرار الحياة وتنوعها، فرغم أهمية العباقرة والأذكياء، إلا أن التاريخ الحقيقي لم يصنعه سوى المغفلين، والأمثلة تستعصي على الحصر، ولكن يكفي هنا أن نشير مثلا أنه لولا انخداع جزء كبير من المغفلين بالصورة التي رسمها هتلر لنفسه لما عرفت البشرية في تاريخها الحرب العالمية الثانية، أو ربما عرفتها بشكل آخر، وبناء على هذا التغفيل سارع العلماء بتطوير الذرة أساسا للدمار وبحجة انقاذ البشرية من عدوان دول المحور، وهكذا تقدمت البشرية عبر تاريخها المحير، كما أتذكر مثلا حديث سيدة فاضلة تشتكي فيه من أزمة الشغالات واضطرارها للاستيراد من الخارج، وهي تمصمص شفتيها في حزن حقيقي لضياع فرص العمل على الشغالات بسبب المظاهر الفارغة والكرامة والكلام الذي لا يؤكل عيش، واختصرت تلك السيدة كل الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في جملة بليغة وحكيمة حين ختمت حديثها الشيق قائلة: منها لله ثورة 23 يوليو.. حرمتنا من الشغالات والدادات وهذه أيضا مشكلة أخرى ستتسبب فيها الثورة الجديدة، ثورة الجينات، فلن نجد بوابين ولا عمال نظافة، فأبناء تلك الثورة الجديدة لن يكونوا سوى عباقرة ومخترعين ورواد فضاء، فكيف بالله عليكم نتصور مجتمعا به ملايين من العباقرة وليس فيه زبال واحد؟ إذن سوف تكتسي المدن بالزبالة، ويصبح كوكب الأرض بمثابة مقلب زبالة يدور حول نفسه وقد يرمي ببعض زبالته على الكواكب الأخرى. ترشيد الثورة لابد أن الدول العظمى سوف تحتفظ بأسرار هذه الثورة الجديدة، ورغم أنهم ليسوا في حاجة الى أي تحسين في الجينات، فإنهم سوف يحرمون دول الجنوب منها، لأنه لو تسربت الى تلك الدول سوف تهدد الأمن القومي للدول العظمى، فمن اين ستتوفر المواد الخام الرخيصة، والأسواق ذات الشهوة الاستهلاكية؟ كيف يمكنهم إدعاء سيادة العالم وقد تساوت الرؤوس؟ لمن يبعيون السلاح؟ لمن يصدرون الذل والهوان؟ لابد من ترشيد لهذه الثورة حتى لا يختلط الحابل بالنابل، فقد تتسرب جينات متفوقة الى تلك الشعوب المتخلفة فينقلب التوازن الدولي، وهذا بالطبع غير مطلوب، وقد يقرر مجلس الأمن الحظر الشامل على دول الجنوب، مع تشكيل قوة دولية للانقضاض فورا على أية دولة يثبت حصولها على أسرار تلك الثورة الجيناتية. ولكن أهل الجنوب أيضا لهم وجهة نظر في الموضوع: فهم لا يهتمون أساسا بموضوع الجينات لأن لديهم من الجينات ما يكفيهم، وهم بالذات يرفضون أي جينات من الغرب لأنها قد تكون مسممة بأفكار عن حرية التعبير أو التعددية السياسية أو يا للهول حقوق الانسان ربما يستورد أهل السعة منهم فقط بعض جينات لتلوين العيون أو الشعر أو طول الشباب والعمر ودوام الفحولة، فذلك هو كل المراد من رب العباد، ولكن محظور لديهم أية جينات تتعلق بالعقل، حفاظا على الهوية القومية، ثم أن المجانين في نعيم، ولا يدرك هذا النعيم إلا من ذاقه أو استفاد منه، فالتخلف في هذا المنظور ليس سلبيا على إطلاقه، حيث يحقق الاستقرار والسكينة والقبول بالأمر الواقع أيا ما كان هذا الأمر. لذلك فمن المؤكد أنه سينشأ نوع من التفاهم بين أهل الشمال وأهل السلطة في الجنوب يشبه ما تم في موضوع منع انتشار الأسلحة النووية، فما هو حلال للشمال، يعتبر حراما على الجنوب، ولن يعدم أحد حيلة في تفسير تلك القاعدة، بل وربما تنشأ مراكز أبحاث استراتيجية ومنظمات غير حكومية في مناطق الجنوب يتم تمويلها بالطبع وكالعادة من الشمال للحديث عن مساوئ الهندسة الوراثية، وعار الجينات الذي لا يمكن أن تقبله الشعوب المناضلة، وليس مستبعدا أن يتم إلصاق تهمة الكفر بكل من يفكر في هذا الموضوع، بل وقد تدرج في القانون الجنائي مادة تجرم كل من حاول أو سعى أو حصل على جينات وراثية غير وطنية، وربما تم القبض على البعض بشبهة أن أشكالهم تختلف عن الوطنيين ولابد أنهم حصلوا على جرعة جيناتية لتغيير صفاتهم الوراثية، وسوف تنشط برلمانات الجنوب في تعديل الدساتير كي تنص صراحة على أن الهندسة الوراثية خيانة وطنية تستحق الاعدام. ونتيجة لكل ما تقدم، ستظهر حركات سياسية تحت الأرض تطالب بكفالة حرية التعامل الجيناتي، وستظهر كائنات غريبة ذات جينات معالجة تتحدث عن الحرية والاستقلال والكرامة، وتدافع عن شرف الانسان وشرف الأرض، وسوف تتعقبها شرطة مكافحة الجينات في كل مكان، وتصدر الصحف بعناوين بارزة تتحدث عن الكشف عن تنظيم سري لقلب جينات الوطن. ومن المدهش أنه نشرت منذ فترة أخبار عن أن اسرائيل قد اخترعت طلقات تصيب فقط أصحاب الجينات العربية، ووقتها لم يصدق الناس ذلك واعتبروها مبالغات وخيالات فارغة من أعداء السلام، إلا أنه بعد اكتشاف كتالوج الانسان فليس من المستبعد أن تكون لتلك القصة بعض ظلال من الحقيقة، وربما استخدمت تلك الجينات في حقن بعض الكتاب أو المفاوضين، أو قدمت لهم في شكل أقراص مذابة في كؤوس الشراب، رغم أن البعض يرى أن اسرائيل لا تحتاج الى كل هذه التعقيدات، لأن الأمور تسير في مجراها الطبيعي طبعا وتطبيعا، وهي تستخدم في ذلك هندسة وراثية مختلفة عن تلك التي يتحدثون عنها هذه الأيام، بحيث لا يتطلب الأمر أي تغيير في الجينات الحالية، بل وعلى العكس مقاومة أي محاولة لتغييرها. إلا أنه ومن ناحية أخرى فإن اكتشاف كتالوج الانسان سوف يؤدي الى فضح نظريات التفوق العرقي والتمييز العنصري وموضوع دم النبلاء الأزرق، حين يثبت أن ذلك كله كلام فارغ، وأن الموضوع مجرد سياسة وتوازن قوى، فالمهزوم عادة تنكسر جيناته وتنتقل عدواه الى غيره، أما المنتصر فتنتفخ جيناته ويركب على غيره إلا أن السيدة الفاضلة التي كانت تشتكي منذ فقرتين عن أزمة الشغالات، أصبحت مهووسة بموضوعات الجينات مؤخرا، فقد قالت في أكثر من مكان أنها قررت أن تنتقل مع أولادها الى مكان آخر ذي ظروف جيناتية أفضل لضمان مستقبل الأسرة. وبالطبع هذا حقها، كما أنه من حقنا أيضا أن نقول لها أننا نرحب برحيلك لأن ذلك سيجعل مناخنا أكثر نظافة من الزاوية الجيناتية ونتمسك فقط بمن يعلمون أولادهم أنه لا شرف يعادل شرف الوطن!. ـ كاتب مصري