انهيار جدار برلين عام 1989 وما تبعه من تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وتحوله إلى دويلات صغيرة لا حول لها ولا قوة تبحث عن مصالحها الذاتية، ولو من خلال بيع ثرواتها وشعوبها لأعدائها القدامى، ودخول العالم إلى حقبة القطب الأمريكي الأوحد ، والتحول نحو عولمة رأس المال، وفتح الحدود بلا شروط ولا قيود أمام المضاربات المالية، في ظل اللحظات الأولى حاول البعض استغلال السنوات التالية مباشرة على هذا الحدث الفريد بالبحث عن مناطق نفوذ قبل أن يفيق الآخرون من ذهولهم. بالفعل نجح البعض، ولو خلال الخطوات الأولى لسنوات التسعينيات، ومنهم رئيس الوزراء الإسباني السابق فيليبي جونثالث الذي استطاع أن ينظر باتجاه مناطق نفوذ بلاده القديمة عبر الأطلسي، وتمكن من تشجيع البرتغال على السير معه نحو تشكيل قوة جديدة يمكنها أن تعتبر روابط اللغة والثقافة والدين قواعد أساسية تقوم عليها قوة إقليمية تمكن بلاده من الحصول على مكان بارز تحت شمس السياسة الدولية، خاصة أنها فقدت الكثير خلال الأعوام الأربعين التي كانت تخضع فيها للعزلة المفروضة عليها أوروبيا بسبب الدكتاتور الجنرال فرانكو، وتم عقد اللقاء الأول لقمة الأمم الايبروأمريكية عام 1991 في مدينة جوادا لا خارا بالمكسيك، والتي جمعت تسع عشرة دولة من أمريكا اللاتينية بالإضافة إلى إسبانيا صاحبة الفكرة، والبرتغال التي كانت ترغب في استعادة بعض نفوذها الضائع في المنطقة. أهم إنجازات اللقاء الأول السياسية الذي جرى قبل عشر سنوات أن تكون قمة رؤساء ورؤساء حكومات الدولة المشاركة ذات انعقاد سنوي، يتناول بالبحث الموضوعات ذات الأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للدول الأعضاء، وإقامة تعاون بين الدول والشعوب التي تكون تلك المنطقة لتشكيل مساحة حوار دولي أطلقوا عليها اتحاد الأمم الايبروأمريكية. وعلى الرغم من التعقيدات التي لازمت انعقاد كل قمة على حدة، إلا أنها نجحت جميعها في الإبقاء على ذلك اللقاء السنوي الذي جمع أحيانا بين متناقضات الساسة والسياسة الغريبة الأقرب إلى «السريالية» الفنية، وكانت الصور الرسمية تعكس كل عام ما يدل على نوعية العلاقة البينية القائمة بين زعماء القارة، أو علاقات بعضهم بالقادمين من أوروبا، لكن الفترة التي كان فيها فيليبي جونثالث رئيسا للوزراء في إسبانيا، والتي انتهت عام 1996، كانت انجح اللقاءات لأنها كانت تسير، وان كانت بخطوات بطيئة، نحو مزيد من التعاون الاقتصادي المثمر الذي يعتبر قاعدة أي علاقات دولية في عالمنا المعاصر. بوصول رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا ازنار إلى رئاسة الحكومة الإسبانية في خريف عام 1996 بدأت الصورة تتغير، ولكنها كانت غير ثابتة بالنسبة لكل دول أمريكا اللاتينية، ففي بعض المناطق التي تتوافق أيديولوجيا مع رئيس الوزراء الإسباني كان التعاون اكثر منه مع المناطق ذات الخلاف الأيديولوجي، وفي بعض الأحيان كان على الملك خوان كارلوس ملك إسبانيا، والأب الروحي والراعي لتلك القمم، أن يتدخل من أجل التخفيف من حدة الخلافات الأيديولوجية التي يعشق خوسيه ماريا ازنار إبرازها في كل مناسبة، وربما كانت الصورة التي شاهدها العالم عبر شاشات التلفزيون على الهواء مباشرة والتي جذب فيها الملك ذراع رئيس وزرائه ليضعه إلى جوار الزعيم الكوبي فيدل كاسترو لها معان كثيرة، وحظيت بالكثير من التحليل والقراءات. خلال اللقاءات العشرة السابقة على لقاء هذا العام كانت هناك كتلتان تتضحان في كل مناقشات حول البيان النهائي للقمة والذي كان يتولاه وزراء الخارجية، كانت هناك كتلة ترى في التعاون الاقتصادي والأيديولوجي أساسا في علاقة كل دولة بالأخرى، وهناك كتلة ترى أن العلاقة يجب أن تتجه نحو الشعوب، وتترك جانبا الحوارات والخلافات الأيديولوجية، ولا يجب أن تربط الاقتصادي بالأيديولوجي، فتعاقب شعبا بحرمانه من الاستثمارات لمجرد أن حكومته ليست على هوى، أو لا تتفق مع أيدلوجية الحزب الحاكم في البلد المستثمر، وهو في كل الأحوال إسبانيا. لكن تلك اللقاءات كانت تثمر شيئا جديدا دائما يعتبر خطوة على طريق التكامل الاقتصادي والثقافي، على الأقل بين مجموع الدول التي تشكل هذا التجمع السياسي المهم، نظرا إلى حجم الدول التي تشكله، والثروات الطبيعية التي تسكنه والتي يمكنها أن تكون أساسا لنهضة حقيقية في المستقبل لو تم العناية بها وربطها بخطط تنمية حقيقية بعيدا عن جشع بعض الحكام، وتبعية البعض الآخر للشركات المتعددة الجنسية الطامعة في تلك الثروة والتي تقف بالمرصاد لأي تخطيط يسير في اتجاه التنمية ذات العائد الاجتماعي. لكن لقاء هذا العام الذي جرى مع بداية هذا الأسبوع في ليما عاصمة البيرو، جاء في وقت عصيب بالنسبة لجميع الأطراف تقريبا، أو انه جاء خلال أزمة عامة تشمل الجميع، سواء بسبب الوضع الدولي المعقد الذي يشهد تحولا عنيفا بعد أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن، وما نتج عنه من ردود أفعال في المنطقة، معظمها كانت ردود أفعال سلبية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، على الأقل على المستوى الشعبي، أو بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه بلاد تشكل أساسا في هذا التجمع مثل الأرجنتين التي تقف على هاوية الإفلاس، ولا عمل لوزير اقتصادها سوى الدوران وراء المنظمات الاقتصادية الدولية بحثا عن مخرج للمأزق الذي توجد فيه بلاده. أو البرازيل التي لا تزال تتخبط في خطواتها الاقتصادية بعد أزمة انهيار عملتها التي تعرضت لها قبل عامين، والمكسيك التي لا تزال في ظل رئاسة فيثنتي فوكس لا ترى نهاية للنفق المظلم الذي دخلته البلاد بعد أزمة «البيرو» عام 1994، أو البيرو نفسها التي لم تلتقط أنفاسها بعد السنوات العشر التي عاشتها في ظل حكم فوجيموري المخابراتي. أو فنزويلا التي تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة تدخلات خارجية معروفة الهوية تستغل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وتهدد علنا بتكرار انقلاب الجنرال بينوشية الذي وقع في التشيلي بدعم المخابرات المركزية الأمريكية، وراح ضحيته الرئيس المنتخب ديمقراطيا سلفادور الليندي عام 1973، لأن الرئيس هوجو تشابث يعتبر بالنسبة للولايات المتحدة صوتا نشازا في المنطقة التي تعتبرها «الفناء الخلفي» والأكثر التصاقا بسياستها الوطنية الداخلية أكثر منها كسياسة خارجية. فيما نجد أيضا كولومبيا بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية تقف على حافة حرب داخلية شاملة، وتهددها الآن مخططات الولايات المتحدة للتدخل المباشر في شعار «مكافحة الإرهاب الدولي» الذي ترفعه راية لتدخلاتها المستقبلية في العديد من مناطق العالم بعد الانتهاء من أفغانستان، وما حولها من مناطق تكشف عنها حكومة الرئيس بوش الابن من وقت لآخر طبقا لحاجتها إلى طلب دعم هذا أو تهديد ذاك للسير في ركاب سياستها بعد أحداث نيويورك وواشنطن. أما الدول الأخرى مثل الإكوادور وهندوراس وبوليفيا والاورجواي والباراجواي التي تعيش جميعها في ظل أزمة اقتصادية مزمنة انعكست آثارها المدمرة على الحياة السياسية والاجتماعية، وتعتبرها الأمم المتحدة من اكثر الدول فقرا في العالم، بالطبع تتقدم عليها بعض الدول الأفريقية. وكما كان متوقعا فقد ركز رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار جهوده من أجل أن تكون «إدانة الإرهاب» أول نقطة يجب أن يشير إليها البيان الختامي للقمة، لكن حال دون ذلك أن مثل هذه الإدانة لا تعتبر كافية بالنسبة للبعض، لأن هناك إرهابا تتعرض له بعض دول أمريكا اللاتينية لا تعتبر في عرف الرؤية الإسبانية إرهابا يجب أن تتم إدانته، كالحصار الاقتصادي الذي تتعرض له كوبا منذ أكثر من أربعين عاما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والذي تعتبره كوبا إرهاب دولة، وهو اخطر من العمليات المسلحة التي تقوم بها بعض الجماعات المناهضة لنظام الحكم. وعلى الرغم من مهادنة كوبا في هذه القمة والتي غاب عنها «فيدل كاسترو» لأول مرة في تاريخ انعقادها، فقد ضغطت بعض الدول ذات الثقل السياسي والديمغرافي مثل فنزويلا من أجل أن تكون الإدانة «عامة»، أي تدين جميع أنواع الإرهاب وتطالب بالتعاون من أجل حصاره والقضاء عليه. لذلك يعتبر المراقبون أن فرصة جديدة ضاعت على شعوب أمريكا اللاتينية في بحثها عن مخرج لأزماتها المزمنة التي تنعكس على أنظمتها الحاكمة، ومنها أنظمة من المفترض أنها «ديمقراطية»، لكنها ديمقراطية على طريقة الجنرالات القدامى الذين كانوا يحكمونها حتى سنوات قريبة، حيث لا تزال الشعوب تختار ديمقراطيا حزبا بناء على برنامجه الانتخابي، لكن الحزب ما أن يتربع على سدة الحكم حتى ينسى برنامجه ويتحول إلى أداة في أيدي من يملكون للحصول على المزيد، بين الغالبية العظمى لا تملك سوى انتظار الانتخابات المقبلة ليتكرر السيناريو نفسه من جديد. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا