سواء انتصرت امريكا او انهزمت في افغانستان، يبدو اننا دخلنا للتو عصرا جديدا تتلاشى فيه الدبلوماسية الامريكية لتفسح المجال للعمل الاستخباراتي والعسكري كنهج اوحد لتعامل الولايات المتحدة مع العالم الاسلامي . عصر يمكن ان نطلق عليه «الحرب الباردة الجديدة». بعد بضع سنوات سوف نلتفت للوراء لنقول ان افغانستان كانت البداية لعهد من الترعيب الامريكي ينتظم كل ارجاء العالم الاسلامي، وعلى الاخص الشرق الاوسط وآسيا الوسطى وتمثل رأس حربته بالدرجة الاولى فرق وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية ومعها جنبا الى جنب كوكبة جنرالات البنتاجون. هذا هو مايستخلص من انبعاث تيار المكارثية الجديدة الذي حل بأجهزة السلطة العليا في الولايات المتحدة منذ عاصفة احداث 11 سبتمبر. لقد دخل المجتمع الامريكي عهدا جديدا ينفرد فيه ثلاثي يتكون من البنتاجون ووزارة العدل والاجهزة الاستخباراتية بآلية صنع القرار على المستوى الاعلى، بحيث لم تعد سلطة رئيس الجمهورية الا رجع صدى لهذا الثلاثي المكارثي الرهيب. ومن العلامات الرمزية التي تعكس هذا التغيير صعود نجم وزيري الدفاع والعدل على حساب وزير الخارجية، بما يعني تلاشي العمل الدبلوماسي الامريكي كوسيلة للتعامل مع العالم الخارجي لصالح اساليب التجسس والتآمر والعنف. واذا تصورنا كيف يمكن ان ينعكس هذا التحول المكارثي المخيف على التحرك الامريكي تجاه العالم الاسلامي في المستقبل المرئي، فاننا سوف ندرك ماذا تعني «الحرب الباردة الجديدة». لقد تناول هذه المسألة معلقون امريكيون وغير امريكيين بمن في ذلك سياسيون وكتاب ومفكرون من بلدان العالم الاسلامي، واذ اعرب هؤلاء المعلقون عن تخوفهم من ان الهجمة المكارثية الامريكية في الخارج سوف تكون محصورة في الجماعات الاسلامية الراديكالية، فان المؤشرات المتوافرة حتى في هذه المرحلة المبكرة تؤكد ان الهجمة المرتقبة لن توفر اي احد في ارجاء العالم الاسلامي يشتبه في ان لديه اجندة معارضه للولايات المتحدة، يستوي في ذلك العلمانيون مع الاسلاميين، ولن توفر اي احد يتخذ موقفا معارضا للاحتلال الاسرائيلي في العالم العربي. «الاساليب القذرة» سوف تكون الاسلحة الوحيدة المعتمدة في الحرب الباردة الجديدة، وعلى هذا الاساس قد يشهد العالم الاسلامي محاولات انقلابية تستهدف انظمة حكم معينة جنبا الى جنب مع تطبيق تدابير متنوعة لتثبيت وتقوية مؤسسات الحكم الاستبدادي مع نشر النمط الشمولي على اوسع نطاق. ولن يسمح لاحزاب او منظمات تطالب بالتعددية الديمقراطية والحريات المدنية بالبقاء على قيد الحياة السياسية. وفي هذا السياق قد نشهد مسلسلات لاغتيالات شخصية تكون وراء تدبيرها فرق للاستخبارات الامريكية او جهاز الموساد الاسرائيلي او كليهما. وعلى خط مواز سوف نرى نقلة تصعيديه للاعلام الامريكي للتبرير والتضليل تحت عنوان «مكافحة الارهاب» توظف لها كفاءات «اسلامية». وعلينا الا نندهش . فقد شهد العالم الاسلامي حربا امريكية باردة من هذا القبيل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي تحت عنوان «احتواء الشيوعية». حينئذ تبنت اجهزة الاستخبارات الامريكية الاسلام كوسيلة لمناوأة تيار القومية العربية، وبناء على هذا الخط الدعائي دبرت مؤامرات انقلابية واقيمت احلاف «اسلامية» ودمغت الناصرية بتهمة الالحاد. الآن يعيد التاريخ نفسه بوجه مختلف.