يمكن القول دون تحفظ كبير ان نظام طالبان قد سقط نهائياً في افغانستان. لا يغير من هذا الواقع سيطرة قوات الحركة حتى الان على ولاية قندهار المعقل الرئيسي لطالبان. فهذه السيطرة تدين الى الانتماءات والتوازنات العرقية في البلاد اكثر منها الى القناعة بنظام طالبان. وفي كل الاحوال لن تلبث قندهار ان تنتقل السيطرة عليها الى ايدي زعماء قبائل البشتون المحليين. ومن ثم يمكن القول ان حركة طالبان بقي منها الاسم فقط، في حين ان المحتوى او الاشخاص الذين ينضوون تحت لوائها لم يعودوا (طالبان) بل رجعوا الى اصولهم القبلية بصفتهم بشتون بالدرجة الاولى. وبهذا يكون الفصل الاول من حرب الولايات المتحدة على الارهاب قد انجز الى حد كبير. بالطبع مشكلة الارهاب نفسه لم تنته. وبقدر ما يتعلق الامر بافغانستان فستظل بعض ذيول ما حدث مستمرة. فاسامة بن لادن وعدد من ابرز قيادات تنظيم القاعدة وكذلك مجموعة واسعة من انصاره، لايزالون طلقاء في مكان ما من افغانستان وليس واضحاً بعد كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع الاعداد الكبيرة من الافغان العرب الذين استسلموا لقوات التحالف الشمالي. هل ستنقلهم ـ كما يتردد ـ الى جزيرة جوام في المحيط الهادي تمهيداً لمحاكمتهم في امريكا، ام سيبقون في السجون التابعة لقوات التحالف، ام سيجري تسليمهم الى البلدان العربية التي يحملون جنسياتها. كل ذلك غير واضح الان، وكل ما يمكن قوله ان واشنطن نجحت في توجيه ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة، ودمرت المشروع الاصولي الذي كان يعده اعضاء هذا التنظيم وحلفاؤهم في افغانستان، والقضاء من ثم على امكانيات استخدام هذا البلد مرة اخرى كقاعدة للارهاب الدولي. ما يلفت نظري في هذا الاطار الكم الهائل من الطروحات النظرية التي ترددت في سياق هذه الحرب، قبلها وخلالها، وبعضها من محللين شاءوا، كما يبدو ان يكونوا موضوعيين وان يبتعدوا عن اصدار الاحكام الايجابية، لكنهم سرعان ما سقطوا في وهدة التكهنات غير المنطقية والمبالغات التي نسجت حول قدرة مجموعة من البدو والقبائل البدائية على هزيمة قوى التقدم والتفوق التكنولوجي. اول هذه الطروحات ان الحرب الامريكية في افغانستان، سوف تكون بمثابة المستنقع للقوات الامريكية وحلفائها. وتم تصديع رؤوسنا طويلاً بنموذجي التدخل السوفييتي في افغانستان (منذ اواخر عقد السبعينيات وحتى نهاية عقد الثمانينيات)، ونموذج (2). التدخل البريطاني في القرن التاسع عشر، والذين انتهيا بهزيمة منكرة لهاتين الدولتين. وذهب حماس البعض، ممن كانوا يتمنون ان يتورط الامريكيون بالفعل، الى درجة انهم لم يلاحظوا الظروف الاقليمية والدولية المحيطة بهذه الحرب، فضلاً عن طابعها العسكري ونوعية الاسلحة والاسلوب الذي تخاض به. وسبق ان قلنا مع كثيرين ان الحرب الحالية في افغانستان تتميز بانها تتم اولاً في ظل اجماع دولي قل نظيره حول الولايات المتحدة، وثانياً في ظل عزلة قل ايضاً نظيرها لنظام طالبان، وثالثاً في ظل تفوق امريكي عسكري ساحق لا يترك اي فرصة لطالبان كي تفوز حتى بمجرد الادعاءات. ومع ذلك فان الاوهام التي عششت في رؤوس البعض ظلت تعمل دون هوادة. ولا ندري ما الذي سيقوله اليوم اولئك الذين كانوا يصرون حتى قبل اسابيع قليلة على ان الحرب في افغانستان ستكون صعبة وطويلة بالنسبة للجنود الامريكيين، ام تراهم سينسون ما قالوه، ويلقون لومهم على طالبان التي خذلتهم ثم ينتقلون الى تجربة فرضيات اخرى قد يحالفها الحظ هذه المرة! لقد حدث شيء من هذا القبيل في الاسابيع الاخيرة، لكن المؤسف ان اكثر الناس لا يتذكرون. ولم ينس من فتنوا بمثل هذه التحليلات، وتمنوا حدوثها على ارض الواقع، ان يضيفوا اليها اطروحة اخرى سرعان ما تبددت على صخرة التدحرج الطالباني السريع على رمال افغانستان. هذه الاطروحة هي ان طالبان وبحكم افتقارها الى السلاح المتطور، قياساً طبعاً بالولايات المتحدة التي يتخذ سلاحها من الجو ميداناً له، فانها تنتظر ان ينزل الامريكيون على الارض لكي تبدأ المعركة الحقيقية. فبما ان السيطرة في الجو هي للامريكيين فإن السيطرة على الارض سوف تكون لطالبان وهذا هو الاهم وهو الحاسم في المعركة. ويضيف هؤلاء في شبه جزم وحماس فائض انه ما ان تبدأ الحرب البرية (والمعنى مأخوذ هنا على نحو ميكانيكي من حرب الخليج الثانية، حيث انقسمت العمليات الى جوية وبرية) حتى تظهر قوات طالبان افضليتها وامكانياتها الحقيقية! هذا ما كان يتصوره ويريده مؤيدو حركة طالبان، لكن الادهى والامر انهم لم يقفوا عند حد هذه الاحلام التي كانت تتبدد كل يوم مع انقضاض الطيران الامريكي على مواقع طالبان وتنظيم القاعدة، واستشراء حالة اليأس والقنوط في صفوفهم، فحتى حينما فر من فر من جنود طالبان واستسلم من استسلم، امام زحف جنود تحالف الشمال، لم ييأس منظرو طالبان والمدافعون عنها، وانما خرجوا بنظرية جديدة تقول ان قوات الحركة تزمع ان تشن حرب عصابات من الجبال وانه بهذا الاسلوب سوف تبدأ (الحرب الحقيقية) التي ستحسم الامور. ولكن لم تكد تنقضي سوى بضعة ايام حتى كانت قوات طالبان اما تستسلم او تصبح كعصف مأكول. وبين هذا وذاك ظهرت طروحات من نوع الترويج لما سموه انسحاباً تكتيكياً في الوقت الذي كانت فيه قوات طالبان تفر مندحرة، ثم تذرعوا بحجة شهر رمضان وعدم جواز استمرار القتال، احتراماً لمشاعر المسلمين وما الى ذلك. ماذا يعني كل هذا؟ انه يعني ان من اتخذوا هذا الجانب في التحليل واصروا على خطأ استنتاجاتهم، اما انهم قد ربطوا مصيرهم بمصير حركة طالبان، واما انهم كانوا يضللون الناس ويبثون فيهم دعاية كاذبة على امل ان ترتفع معنويات المكلومين. ـ كاتب من البحرين