يعيش العالم العربي مرحلة حساسة للغاية، وبينما يمكننا لوم منافسينا الدوليين وأعداءنا الاقليميين والعالميين على كل شيء كما هي العادة العربية القديمة، إلا انه لا يعقل ان نتخلى عن مسئولياتنا اقليميا وتجاه نواقصنا، بل لو عدنا لكل انتصار حققه العرب في تاريخهم لوجدنا عناصر ذاتية، منها حكمة القيادة ووسائل التنفيذ وحسن التدبير، حتى لو كانت الظروف صعبة وقاهرة وغير مواتية، ولو نظرنا اليوم إلى كل تراجع وسقوط لوجدنا انه يعتمد بنسبة كبيرة على ضعف القيادة وقلة التدبير وسوء التقدير حتى لو توفرت ظروف ايجابية، في كل تقدم وفي كل تراجع تؤكد لنا التجربة بأن الأساس مرتبط بالحسابات والممارسات، وهو مرتبط بفرق العمل وموضوعية الأهداف، وبعملية الطرح والخطوات، في هذا يجد العالم العربي انه فاقد للمبادرة وفاقد للتحرك وفاقد للتأثير وللتقدير. وليس جديداً على العرب الوقوف خارج المعادلة، ففي تاريخهم الحديث الكثير من فقدان التأثير والتعامل مع الهامش، ففي زمن الغزو الاسرائيلية على لبنان في العام 1982 وقف العالم العربي غاضباً وبنفس الوقت فاقداً للتأثير في مجريات الأحداث، وبنفس الأسلوب وقف العالم العربي فاقداً للتأثير في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وفي أعقاب كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، وفي أعقاب حرب 67، وفي أعقاب بداية وتسلسل الحرب الأهلية اللبنانية وبينما في كل مرحلة كانت الخطابة في أعلى مراحلها إلا ان السياسات والممارسات وعناصر التأثير كانت في أدنى تعبيراتها. التراجع العربي في المرحلة السابقة يعكس عدة أبعاد يجب ان نقف أمامها ويصعب ان نلم بكل جوانبها بسهولة ويسر، إذ تتطلب الكثير من الجهد من العديد من المثقفين والمسئولين ومحبي المستقبل والتنمية. فنحن العرب ننتمي لأمة ممتدة نجد ان معظم سكانها دون الواحدة والعشرين، وهذه هي أكبر نسبة في العالم لهذة الفئة العمرية عند المقارنة مع دول العالم الثالث والقارات الأخرى في العالم. وبالوقت نفسه لا تمتلك أمتنا المؤسسات والقدرات ونسبة التعليم المناسبة لاستيعاب هذا الجيل في عالم حديث قوامه الاقتصاد الحر والمبادرة في العمل. نحن أمة معظم دولها لم تتغير في بنائها السياسي والاقتصادي بل والاجتماعي منذ عقود، إذ نتوارث الحكم كما نتوارث المؤسسات، كما نتوارث الأجهزة، بدون النظر الصادق ان كنا في حقيقتنا جمهوريين أم ملكيين أم الاثنين معا، ونحن أمة سيطر عليها الجمود المؤلم وتفادي ممارسة الحريات وفهم العالم المحيط بنا وطرق التحدث معه. وإلى جانب ذلك تفكير حكوماتنا بروح شبه عصرية وذلك من باب التأقلم مع ظروف العصر في حده الأدنى، بينما تهدد شعوبنا بالسير باتجاه مضاد للعصر، وفي هذا نتساءل كيف أدى هذا إلى ذاك وكيف تقدمت بعض قيادات الدول بينما تراجعت الشعوب في جوانب كثيرة علمية ومهنة وفكرية واجتماعية، ومن المسئول عن كل هذا؟ وبينما مرت هبة نهاية الحرب الباردة على بقاع العالم اجمع وعلى كل قاراته، إلا اننا بقينا في الحرب الباردة وفي ظل ذات الفهم السابق للعالم، هكذا لا زلنا بلا اصلاحات سياسية، وبلااصلاحات ثقافية وعلمية وادارية، وبلا تغيرات هيكلية في دولنا ومجتمعاتنا، وبقينا على طريقتنا التقليدية في كل شيء مفضلين ان نكون كما كنا في السابق، دون ان نعي ضرورات التغير والتعديل والنهضة في مجالات الحياة المختلفة. إن عدم شعورنا بالحاجة الملحة للتغيير زاد من عذاب الأمة وأوصلها كل عشر سنوات إلى مأزق سياسي وشمولي، كل عشر سنوات نمر بكارثة تأكل من مقدراتنا وتدخلنا في حرب تساهم في تقزيمنا بين أمم العالم. ان هذه الدائرة المغلقة التي حكمتنا تهددنا اليوم كما لم تهددنا أزمات السابق، فهي تهدد أمتنا في الخروج مما تبقى لها من فعل وأثر، وتهدد ما تبقى لدينا من حريات، وما تبقى لنا من كرامة ومستقبل واستقلال. ان كسر حدة الدائرة البغيضة التي تتحكم بنا تتطلب منا ان نفكر بروح جديدة، وان ننطلق من خلال آراء نقدية جديدة وان نقف على أرضية تقيّم الماضي وتنتقده، وتقيّم الحاضر وتسعى لتغييره. ان الوقوف على أرض نقدية لا يعني ان نقوم بجلد الذات، ولكنه يعني ان نمارس نقداً ذا عدة اتجاهات دون وضع حدود ومواصفات على هذا النقد بما يساعد على ولادة جديدة بعد جمود طويل. ان التغير هو الأساس الذي سوف يساعدها على التأقلم والمنافسة والبقاء، فبدون التغير سوف نسقط كما سقطت في السابق دول وشعوب، وانتهت حضارات وأنظمة اقتصادية وأخرى اجتماعية، التغير هو المفتاح الوحيد للتأقلم مع البيئة الجديدة الناشئة منذ الحادي عشر من سبتمبر في العالم، بينما الروح النقدية هي وسيلة رئيسية من وسائل فتح الباب للاجتهاد حول هذا التغير. ـ أستاذ في العلوم السياسية بجامعة الكويت