بقدر ما يهتم الاقتصاديون ومعهم السياسيون بنتائج التنبؤ بمسارات الاقتصاد في المستقبل، بقدر مايزعجهم الى حد كبير ظاهرة تعرف في ادبيات الاقتصاد والسياسة العالمية باسم ظاهرة «عدم اليقين»، وتعني تذبذب الاحوال الاقتصادية وتقلب الظروف التي يتعذر في ظلها ممارسة التنبؤ بالمسارات التي يمكن ان تتخذها نشاطات الاقتصاد وقوانين السوق بكل ما لها من تأثيرات على حياة الناس ورفاههم في الأجلين القصير او الطويل. وربما زادت المشكلة تعقيدا ان جاءت ظاهرة ازدياد الترابط او التكامل الاقتصادي بين اقطار العالم، وخاصة في الربع الاخير من القرن العشرين عقد التسعينيات بالذات، جاءت لتزيد من حساسية التأثير وفعالية التأثر بين الاطراف الفاعلة في الاقتصاد الدولي .. سواء كانت اطرافا مصدرة او مستوردة او كانت اطرافا منتجة او مستهلكة تلك هي ظاهرة «الاعتماد» المتبادل كما يسمونها بدورها في الادبيات الاقتصادية المعاصرة وقد زاد ايقاعها وتعمق وقعها الى حد ان اطلق عليها الاختصاصيون المصطلح الذي بات يساق على السنة شتى من منطلق الفهم احيانا ومن باب التباهي والانسياق وراء موضة الشعارات احيانا اخرى وذلك هو مصطلح العولمة . دور امريكا المحوري والذي يعنينا من حكاية العولمة هذه هو ان امريكا ـ شئنا ام ابينا ـ باتت تضطلع بدور محوري في اطار هذه الظواهر المستجدة على حياة ونشاط عالمنا المعاصر لا بحكم الضخامة (امريكا ليست اكبر دول العالم حجما) ولا طبعا من حيث حجم السكان (امريكا دولة متوسطة السكان اذا ماقورنت بعملاق سكاني في حجم الهند ناهيك عن الصين) ولكن بحكم ان امريكا تقوم بدور رائد موضوعيا في اهم المجالات التي تتحكم في ادارة شئون العالم وهو مجال العلم والتكنولوجيا الذي نسميه ايضا مجال الابتكار والابداع الانساني او ببساطة مجال استخدام العقل اعظم واثمن ماوهب الخالق سبحانه وتعالى للبشر استخداما فيما نظل نرجو، لصالح ترقية حياة هؤلاء البشر والنهوض بسبل معايشهم وترشيد استخدام موارد الكون الذي يعيشون فيه وصيانة هذه الموارد عن التشوه والسرف والتلوث والنضوب والاندثار نقول هذا كله ونحن اول من يعرف ان السجل الامريكي في مجال ضغط الموارد وترشيد استخدامها والنأى بها عن مغبة التلوث والاسراف ليس بالسجل الايجابي على طول الخط بل يشوبه الكثير من اساءة الاستغلال وايذاء الطبيعة ومجانبة الرشد في التعامل مع ما انعم به الحق تبارك وتعالى من امكانات وآلاء على بني الانسان. مرض الفتور والاجهاد الحقيقة الواقعة ان بنية الاقتصاد الامريكي بدأت تنتابها اعراض المرض الذي يعرف باسم الركود الاقتصادي ومن هذه الاعراض مابات يسميه الدارسون (جوزيف كاهن مثلا) باسم الوهن او فتور الهمة والاجهاد وهو ما تعبر عنه كلمة المرض الفرنسية «ماليز» وقد تشير الى ان عجلة النشاط الاقتصادي قد اصابها تعب شديد لكن لم يصل بها الى بطء الدوران مع ماقد ينجم عن هذا التباطؤ من اثار سلبية على امريكا والعالم كما المحنا في صدر هذاالحديث. في هذا السياق يوصح الكاتب «جوزيف كاهن» نيويورك تايمز ـ العدد الاسبوعي 25/11/2001 ان العالم كان قد حقق امكانات التكافل او الترابط الشديد في عقد التسعينيات ولكن هاهي بوادر الركود الاقتصادي التي تلوح في الوقت الراهن تأتي كاشفة في رأي الكاتب الامريكي عن الجانب المظلم من هذا الذي تحقق على شكل انتكاسة من الركود التي يحتمل ان تنتاب الاقتصاد العالمي بأكمله. وفور كتابة هذه السطور اصدر المكتب الاحصائي الامريكي بيانا رسميا يؤكد ان اقتصاد الولايات المتحدة قد اصيب بالفعل بظاهرة الركود منذ مارس الماضي مستدلا بمؤشرين وهما: ارتفاع مؤشر البطالة وانخفاض النشاط الصناعي . هل معنى ذلك ان عالمنا بدأ يسدد فواتير العولمة التي نشأت وتدعمت في العقد الماضي؟ قد تتعدد اجابات شتى عن هذا السؤال وقد تتنوع صياغاتها حسب جرعة التفاؤل والتشاؤم التي يصدر عنها الدارسون او المحللون: لكن المحقق موضوعيا ان جميع التقديرات المسئولة والمحترمة علميا باتت تشير الى ان العالم دخل بالفعل في غمار مرحلة الركود الاقتصادي يسمونه احيانا الارتكاس في صيغة لغوية تجمع بين معاني التراجع والانتكاس. وذلك لان النمو الذي من المقرر ان يحققه الاقتصاد العالمي في عام 2001 الحالي سوف يصل الى مادون نسبة 25 في المئة وهو المعدل السنوي الذي حدده صندوق النقد الدولي بوصفه النقطة الفاصلة بين التقدم الاقتصادي وبين اصابة الاقتصاد او الاقتصادات بعلة التراجع الى الركود. ورغم ان المراقبين المهتمين بهذه المجالات من يشير الى ان كارثة الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك بالذات بوصفها السبب الرئيسي لظاهرة الركود التي عرضناها الا ان هناك من المحللين الثقات من يؤكد ان الفتور، ومن ثم الركود الاقتصادي كانت بوادره قد سبقت قارعة سبتمبر التي اصابت في مقتل حقا قاطرة النشاط الاقتصادي الامريكي في نيويورك. العولمة والعدوى على سبيل المثال كان ستيفين روسن، كبير محللي الاقتصاد العالمي في واحد من اكبر بيوت المال والاستثمار في نيويورك (مورغان ستانلي) قد كتب منذ اوائل عام 2001 الحالي محذرا من اثار هذا الركود وكان ذلك قبل احداث سبتمبر بوقت طويل بل ان المحلل المخضرم المذكور ارجع هذا الركود الى ان العالم حقق ترابطا شبكيا واعتمادا متبادلا ربما اكثر من اللازم وكأنما كان يلمح الى ان ظاهرة العولمة قد تفيد في زيادة المبادلات بين الاقطار في الشرق وفي الغرب ولكنها قد تضر لانها تيسر انتقال الادواء التي تصيب هذا الاقتصاد بقانون المخالطة والعدوى كي تصيب ذلك الاقتصاد وكأنما ادت الى ضعف المناعة المكتسبة التي كانت تحمي النظم الاقتصادية، اذ كانت تعيش في الامس القريب خلف السدود او الحدود. الزلزال والتوابع ومن امثلة هذه العدوى امثلة الافتقار الى سياج المناعة، ما حدث في اعقاب كوارث نيويورك السبتمبرية: اهتزت دعائم الاقتصاد الامريكي. وقتها تجاوبت توابع هذه الزلزلة في دنيا المال والاعمال في انحاء شتى من العالم اصيبت بضربات موجعة واحيانا قاصمة شركات اعادة التأمين في اوروبا وهي التي تكفل التأمين الاعلى للشركات التي تباشر اصلا عمليات التأمين التقليدية .. انخفضت المبيعات الى حد رهيب في سوق السيارات بالولايات المتحدة فكان ان تضررت الى حد رهيب ايضا دوائر الانتاج في اوروبا وفي مقدمتها مجمع ديلمر ـ كريزلر المشترك ـ كما هو معروف بين المنتجين في كل من المانيا والولايات المتحدة .. وعندما تدنت الانشطة ومن ثم المبيعات في سوق الحواسيب الكومبيوتر وما يتصل بها من الصناعات الالكترونية في امريكا .. اصيبت بانكماش مرضي صناعات شبه الموصلات الخاصة بالكمبيوتر في تايوان في اقصى الشرق الآسيوي. امريكا تصدر مشاكلها الذي حدث بالضبط هو ان امريكا صدرت بصورة مباشرة او غير مباشرة مشكلاتها بعد احداث سبتمبر الى شركائها المباشرين في غرب اوروبا وفي شرقي آسيا.وبما ان الاعتماد اصبح متبادلا وبما ان العولمة طريق ذو اتجاهين فقد تعين على اقتصاد امريكا ان يتلقى ـ ان يستورد الادواء والمشاكل التي لحقت باقتصادات هؤلاء الشركاء المباشرين ... منهم من يتاخمونها عبر الحدود الى شمالها والجنوب ومنهم من تفصلهم عنها مياه المحيط ولكن تصلهم بها شراكة العولمة التي طالما تباهى القوم منذ الردح الاخير من القرن العشرين. لقد جاءت الجهود الحثيثة التي بذلتها الادارة الامريكية الحالية على مستوى الرئاسة والكونجرس من اجل ضخ مليارات من الدولارات في شرايين الاقتصاد الوطني بالولايات المتحدة لكي تدفع قدرا لا بأس به من النشاط في قاطرة الاقتصاد الامريكي لدرجة دفعت بعض المحللين الى رصد علامات تشير الى ان هذه القاطرة تنبيء بقدر من الاستقرار وليس التحسن، وقد استدلوا على ذلك بان عدد الافراد من طالبي العمل اصبح اقل من احصاءات شهر اكتوبر الماضي، كما ان مبيعات اسواق التجزئة بدأت ـ مجرد بدأت ـ تشير بدورها الى استعادة مليارات من الدولارات. مع هذا كله فلا يزال هؤلاء المحللون يستكثرون على هذا الاقتصاد الامريكي امكانية ان يتحاشى الاصابة بمرض الركود ومن ثم يستبعدون استعادته لعافيته ويرون ان هذا الانتعاش حتى على فرض حدوثه، عليه ان ينتظر الى اواسط عام 2002 المقبل. واستيراد المشاكل ايضا السبب ان اقتصاد امريكا بكل قدراته تعين عليه كما ألمحنا ان يصاب بعدوى مشاكل شركائه الآخرين. اليابان لديها ازمة اقتصادية مازالت متفاقمة كندا الى الشمال والمكسيك الى الجنوب من الولايات المتحدة. كانتا قد دخلتا مرحلة ركود في النشاط الاقتصادي منذ اواسط العام الحالي وامتدت آثاره الى كل من البرازيل والارجنتين في امريكا الجنوبية .. المانيا لم تحقق نموا اقتصاديا ملموسا في نفس العام ومن ثم يحذر الاقتصاديون من مغبة ان تسحب بقية غرب اوروبا الى ارض السلبيات.النظرة اذن ليست واعدة . وقد نصرها نظرة تحذير قبل ان نراها نظرة تشاؤم يتركز هذا التحذير على القوى الفاعلة الاساسية الثلاث التي تدفع عجلة الاقتصاد في عالم اليوم وهذه القوى بداهة هي: امريكا واوروبا الغربية واليابان . في هذا الصدد هناك من المراقبين والمفكرين من ينعون على العولمة اغراقها في الابعاد الاقتصادية المادية، منهم مثلا الاستاذ «دون ديلليو» الذي كتب مؤخرا دراسة يقول فيها: في سنوات العقد الماضي، كان صعود الاسواق الرأسمالية هو محور الخطاب العام بل كان العامل الذي يصوغ الوعي العالمي لدرجة ان الشركات المتعددة الجنسيات يقصد الا حتكارات الرأسمالية الدولية اصبحت تفوق الحكومات نفسها من حيث الاهمية الجوهرية ومن حيث التأثير والنفوذ. لا عجب ان ينشر المفكر الامريكي المذكور دراسته في مجلة هاربر عدد ديسمبر 2001م تحت عنوان بالغ الدلالة من حيث اطلالته المتشائمة هو وسط اطلال . المستقبل. وبديهي اننا لا ننظر الى المستقبل من خلال هذه الرؤية التي تراه اطلالا بالية وركاما محطما . ومع ذلك فلا مفر من ان نصغي الى مايراه جمهرة المحللين الذين يذهبون الى انه مع استمرار الاتجاهات السائدة حاليا في مسار الاقتصاد العالمي، وهي في تصورنا جديرة بان تستمر فان تروس القاطرة العالمية الثلاثة امريكا واوروبا واليابان كفيلة بان تشهد مرحلة انكماش وتقلص اجماعي في انشطتها في مجالات المال والانتاج والاستثمار وسيكون ذلك اول انكماش او تراجع ـ ارتكاس حتى لا ننسى ـ تشهده تلك الاطراف منذ الحقبة التي يسمونها صدمة اسعار النفط، في اواسط عقد السبعينيات. الفرق هو ان الصدمة سرعان ما تبددت آثارها في حين ان الانكماش المتوقع سوف يفضي الى مشاكل تستمر الى منتصف وربما اواخر سنة 2002 المقبلة وبعدها يتوقعون تحسنا متواضعا بصوره نسبية للغاية ولو من باب تفاءلوا بالخير تجدوه.وهو تفاؤل حذر للغاية بكل المقاييس فالقوم يشهدون انخفاضا مطردا في اسعار المستهلكين وفي اسعار منتوجات متنوعة مابين البن والنحاس . ومابين الملابس والمصنوعات الجلدية الى الصلب ومستلزمات الصناعات الخفيفة والثقيلة على السواء. العبرة والدرس المستفاد وبعيدا عن احداث سبتمبر في نيويورك كان الناس قد اندفعوا متهافتين على شراء اسهم الصناعات والانشطة الالكترونية، والحاسوبية وكان بعضها قد حلقت اسعاره الى عنان السماء مثل اسهم الانترنت كان ذك منذ سنوات قلائل يومها قبع المستثمرون والمضاربون يتوقعون عائدات طائلة على الاستثمارات التي وظفوها وجاءت من بعد وقائع انهيار اسهم مجموعة (نا زداك) التي وصفت بانها كانت صدمة جماعية، او مشتركة جمعت بين مستثمرين افراد ومعهم شركات وهيئات بل ودول باكملها ارادت ان تنتهز الفرص التي رأتها سانحة وسائغة ومن هذه الدول او الكيانات السياسية كانت فنلندا في اقصى شمال اوروبا وشيلي في اقصى جنوب الامريكتين وهونج كونج، في اقصى الشرق من اسيا فضلا عن الولايات المتحدة ذاتها. يلاحظ اكثر من محلل ا قتصادي ان مثل هذه الدول او الكيانات السياسية هي التي اندفعت في حماس زائد مع تيار العولمة فكان ان اصيبت من جراء عدواها وتلك عبرة لدولنا العربية بطبيعة الحال وهم يلاحظون من جانب آخر ان الدول التي كبحت جماحها وعمدت الى ترشيد اندفاعتها فكان ان سايرت تيار العولمة بوتيرة ابطأ وربما بصورة اكثر تعقلا امكنها ان تتلافى الى حد كبير الاثار السلبية التي نجمت عما لحق من اضرار باسواق الاستثمار في المجالات التي المحنا اليها ومن هذه الدول كانت الهند وكانت الصين. وذلك بالطبع هو الدرس المستفاد. ـ كاتب سياسي من مصر