فرحت بالهدية التي أرسلها لي صديقي الناشر محمد رشاد مدير الدار المصرية اللبنانية وقد تعود بين الحين والحين أن يرسل لي منشورات الدار التي يشرف عليها لحسن ظنه برغبتي في المتابعة والاطلاع على الجديد. وكنت، ولا أزال، أسعد سعادة خاصة بما يطبعه بين الحين والحين من أمهات الكتب. ولكن صديقي على غير عادته هذه المرة أرسل لي كتابا لم تصدره دار النشر التي يشرف عليها، وإنما اصدرته الدار العربية للكتاب ومركزها الرئيسي تونس، ولها مركز في ليبيا. والكتاب الذي أرسله يتميز بضخامة أثارت انتباهي، فأسرعت بتمزيق الأوراق الملفوفة بها، فخرجت مجلدات أربعة، ضخمة الحجم، كبيرة القطع، انيقة الطباعة، بهية الاخراج، وكان عنوانها النفيس من كنوز القواميس: صفوة المتن اللغوي من تاج العروس ومراجعه الكبرى أما المؤلف فهو الأستاذ خليفة محمد التليسي، وهو عالم فاضل من علماء ليبيا، والأدق أن أقول انه مثقف استثنائي من المثقفين الذين ينبغي ان تفخر بهم الثقافة الليبية والثقافة العربية في آن. وسمعة الرجل عطرة، ومؤلفاته العديدة التي لم أطلع على أهمها للأسف تركت أصداء طيبة عند كل من أعرفهم من الأصدقاء والزملاء الذين قرأوها. وأخذت النفيس الى منزلي بعد انتهاء العمل، وأخذت أتصفح في مجلداته الأربعة، بعد أن قرأت المقدمة الضافية التي كتبها الأستاذ التليسي. وقضيت ساعات ممتعة في هذه العملية، قررت بعدها أن أضع النفيس على مكتبي الى جانب القرآن الكريم ومعجم المنجد، وهي الكتب التي تقف برأسي كالعلامة على الطرف الأيسر من مكتبي، بين سنادتين على هيئة كتب حجرية. ولم أفعل ذلك الا لإدراكي أن النفيس يمكن أن يغنيني عن لسان العرب بمجلداته الخمسة عشر وعن تاج العروس نفسه بمجلداته التي أخذت تقترب من الأربعين في الطبعة الكويتية، ناهيك عن بقية المعاجم القديمة التي أحرص على اقتنائها من مثل معجم مقاييس اللغة لابن فارس وأساس البلاغة للزمخشري، والتكملة والذيل والصلة للزبيدي والتكملة والذيل والصلة كذلك للصغاني. وأضيف الى ذلك جمهرة اللغة لابن دريد والمخصص لابن سيدة وتهذيب اللغة للأزهري، والمحكم المحيط لابن سيدة وديوان الأدب للفارابي، وقبل ذلك كله العين لسيبوية، جنبا الى جنب بقية المعاجم مثل القاموس المحيط ومجمل اللغة لابن فارس، فضلا عن المعاجم ذات الطبيعة الدينية، سواء من مفردات القرآن الكريم على نحو ما فعل الراغب الاصفهاني في كتابه الشهير الذي يعرف على سبيل الاختصار اسم المفردات أو مفردات الحديث النبوي مثل الفائق في غريب الحديث للزمخشري والنهاية في غريب الحديث لابن كثير وكلها معاجم تحتل جدارا بأكمله من الغرفة التي تمتلئ بكتب التراث في مجالاته التي أهتم بها. أما لماذا لم أضع النفيس مع بقية المعاجم، ووضعته في مكتبي مباشرة، الى جانب نسخة القرآن الكريم التي أتبارك بها كما أحتاج الى الرجوع اليها مع نسخة من معجم المنجد في أحدث طبعاته، فذلك لأنني وجدت فيها مايغنيني في البحث السريع عن العودة الى المعاجم القديمة الكبرى، وانه يزيد في فائدته على المنجد الذي لا يزال يصحبني منذ سنوات بعيدة، اذ يعتمد النفيس على أكبر المعاجم العربية التي وصلتنا، وهو معجم تاج العروس الذي هو في الأصل شرح موسع واستدراكات على لسان العرب لابن منظور المصري وقد قرأ الأستاذ التليسي تاج العروس صفحة صفحة وسطرا سطرا، واستخرج منه مالا غنى عنه للباحث في الثقافة العربية، ومايفيد طالب العلم الذي يشق طريقه بين التراث، وأعاد ترتيب المواد اللغوية القديمة ترتيبا الفبائيا يعين على سهولة العثور على جذر الكلمة المطلوب، وضبط الكلمات التي تحتاج الى ضبط، ودقق في رواية الأبيات وشكلها، وغير ذلك من أشكال الجهد التي جعلت من النفيس عملا نفيسا لا يستغنى عنه، والا يجب تركه بعيدا عن متناول يد الباحث الذي يدمن الجلوس على مكتبه للقراءة أو الكتابة. وقد لفت انتباهي في المقدمة التي صدر بها الأستاذ التليسي مجلداته الأربعة اخلاصه الرائع للغته، وحرصه على تواصلها واستمرارها عبر الأجيال وسعيه الدؤوب على تيسير كنوزها ونفائسها لطالبيها. أضيف الى ذلك تواضعه الذي لا يقلل منه على الاطلاق شعوره بالفرحة الغامرة لاكتمال جهده الشاق، ووصول مسعاه الطويل الى غايته التي تبعث على الفخر. ومن حق الأستاذ التليسي ان يفرح بعمله وان يفخر به فقد ترك هذا العمل في نفسي من مشاعر الفرح والفخر الكثير، الفرح بوجود من يحبون تراثهم ويعملون من أجله في صمت، ودون ضجيج أو ازعاج للآخرين أو اتهام لهم، والفخر لأن من ابناء العرب المحدثين من يقضي سنوات طويلة في خدمة لغته على هذا النحو الذي انجز النفيس. وأتصور أن مشاعر الفرح والفخر هي التي تدفعني الى مشاكسة الاستاذ التليسي مشاكسة المعجب في أمرين. الأمر الأول هو مقدمته الذاتية التي انتهى فيها الى تقسيم مناهج العمل في المعاجم القديمة الى اربعة مناهج، كل منها يكشف عن شخصية صاحبه في التأليف، وفي نظرته الى اللغة أو مقاربته المتن اللغوي، وصلاته بمختلف فروع المعرفة. أما المنهج الأول فهو منهج الزبيدي صاحب تاج العروس الذي يتصف بالموسوعية التي تجاوز بها لسان العرب وجمع بها خير ما في المعاجم التي سبقته. والمنهج الثاني منهج الجوهري في الصحاح، حيث التجاهل الواضح للمهمل والممات من اللغة، فضلا عن سهولة التناول والمأخذ، والوصول الى الكلمة المقصودة دون عناء كبير، مع اختصار الشروح والشواهد. أما المنهج الثالث فهو منهج الزمخشري صاحب اساس البلاغة الذي يصفه الأستاذ التليسي بأنه منهج شخصي، فأساس معجم الزمخشري فيما يقول انه عمل كتبه صاحبه لنفسه، حتى اذا استوثق من فائدته، قدمه للناس عملا متميزا بالفرادة والطابع الشخصي الذاتي. وأخيرا هناك منهج الراغب الاصبهاني أو الاصفهاني؟ في كتابه المفردات، وهو كتاب فريد، وثمرة عقل متفتح يجد فيه كل عصر ما يريد الوصول اليه من أعماق ألفاظ القرآن الكريم. هذه المناهج الأربعة التي يذكرها الاستاذ التليسي، وقد أوردتها دون مراعاة الترتيب التاريخي في كل الأحوال هي مناهج موصوفة وصفا ذاتيا أقرب الى الانطباعات الشخصية الناتجة عن الخبرة المباشرة، وليس عن رغبة في التحليل العلمي أو التصنيف المنهجي على نحو ما نجد في دراسة أستاذنا حسين نصار مثلا عن المعاجم العربية وهي الدراسة التي كانت في أصلها أطروحته لدرجة الدكتوراه والنهج الشخصي الذي اتبعه الاستاذ التليسي قد لا يشبع القارئ المتخصص بالتمييز المنجي المحدد بين المعاجم القديمة على كثرتها، ولا يشمل كل أنواعها بالقطع، ولكن من قال ان الأستاذ التليسي كان يعد دراسة منهجية متخصصة كتلك التي أعدها استاذنا حسين نصار لقد أراد أن يشرك القراء معه في انطباعاته التي خرج بها من عشرته الذاتية أو الشخصية مع المعاجم القديمة وهي انطباعات مفيدة للقارئ العادي ولعلها تلفت نظر الباحث المتخصص الى ما قد يكون فاته. أما الأمر الثاني فيتصل بما كنت أطمع أن يحققه الأستاذ التليسي من اضافة، وقد قام بتبويب تاج العروس تبويبا حديثا واستصفى المادة اللغوية من المواد الموسوعية الخاصة بتراجم الاعلام والتعريف بالواقع والبلدان وغير ذلك من الزوائد والاضافات، وقدم المتن في ثوب جديد يعتمد التهذيب. ويتواضع الأستاذ التليسي تواضعا محببا الى النفس عندما يقول ان النتائج التي انتهى اليها في عمله لا تختلف عن النتائج التي انتهى اليها مؤلفو المعاجم من مطلع النهضة الحديثة، فهو مضى مثلهم في طريق التبويت والتهذيب والاختصار، وكانت غاية وضع المادة اللغوية صافية خالصة امام الدارسين واعادة ترتيب هذه المادة وفق الترتيب الالفبائي الذي من شأنه ان يسهل أمر الوصول إليها بأيسر الطرق. والحق انني كنت أحلم بأن يمضى التليسي في عمله، ولا يتقيد بمعجم تاج العروس أو المعاجم القديمة وحدها، بل يضيف اليها المصطلحات الحديثة والكلمات المستجدة، وذلك لكي تكتمل الفائدة. ولذلك يدفعني الاعجاب بما انجزه الاستاذ التليسي في النفيس الى الطمع في المزيد من الانجاز، وارجو ان يستكمل في طبعة لاحقة ما قرر تركه من المصطلحات الحديثة والكلمات المستجدة، كي يكون معجمه النفيس كاملا مكملا، يستغنى به القارئ عن أكثر المعاجم التي يحتاجها. وسواء أغرى طمعي الأستاذ التليسي بالاضافة الى ما أنجزه، أو قرر الاكتفاء بما فعل، وما لاشك أنه بذل فيه جهدا لا تقدر عليه فرق من الباحثين، فإن ما أصدره من مجلدات النفيس يؤكد انه اصدر كتاب العمر، وأنه بذل فيه من الجهد ما لابد من استقباله بتحية التقدير، وفرحة الاستقبال، ودعوات المؤسسات الثقافية الى الاحتفاء بصدور النفيس.