يعيش العالم منذ عقدٍ من الزمن حالةً من صراع المفاهيم حول هوية العصر الذي دخلته الإنسانية بعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين للعالم في القرن العشرين، هذه الحرب التي انتهت بانهزام وانهيار قطب المعسكر الشيوعي الاتحاد السوفييتي مقابل فوز وتعزيز قدرات المعسكر الرأسمالي الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كانت الهوية السائدة سابقاً هي صراع الشرق والغرب أو الصراع بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، ولم يكن مطروحاً أو حتى مقبولاً في قلب كلّ معسكر الصراع على أساسٍ ديني أو قومي، فالشيوعية والرأسمالية التقتا حول فلسفاتٍ ومناهج مادية لا تنطلق من خصوصياتٍ قومية أو دينية، ولا تعير اهتماماً للقيم الدينية أو للسمات الثقافية المميزة للشعوب. كذلك اشتركت الشيوعية والرأسمالية في التعامل مع المسألة الاقتصادية كأولوية تتجاوز حدود الدول والأمم وتتّسم بطابع العالمية لأفكارها وساحة عملها وبما يحقّق المصالح الخاصة لقطب كلّ معسكر. وبسقوط المنافس الشيوعي العالمي، بقيت الرأسمالية وحيدة في طرحها لنموذجٍ سياسي واقتصادي وثقافي متكامل لا يمكن أخذ بعضه دون البعض الآخر. فالصيغة السياسية للأنظمة الليبرالية هي الوعاء السياسي لمضمون الاقتصاد الحر والمنافسة التجارية الحرة، كذلك فإنّ بناء أنظمة سياسية واقتصادية ليبرالية يتطلّب شرعية ثقافية من المجتمع ومفاهيم وقِيَم تتماشى مع عناصر الفكر الرأسمالي، بحيث تتكامل العناصر الثلاثة: ثقافة ـ اقتصاد ـ سياسة، لتبني المجتمع الرأسمالي الحر. أنّ المنافسة الحرة هي أساس في النظرية الرأسمالية، لذلك فإنّ حواجز الحدود والثقافات يجب أن تسقط أمام رواد الرأسمالية من مفكرين واقتصاديين وسياسيين كذلك، فإنّ المنافسة الحرة تعني المنافسة وسط أبناء المجتمع الرأسمالي نفسه، وتكون نتيجة المنافسة محكومة بقانون البقاء للأقوى. لذلك، أرى الأطروحة الغربية لموضوع العولمة بأنها نتاج طبيعي لوجود الفكر الرأسمالي نفسه والذي لا يعترف بحدودٍ جغرافية أو حواجز ثقافية. وقد تختلف أساليب عولمة هذا الفكر ومحاولات نشره من عصرٍ إلى آخر، لكن يبقى الهدف عند دعاته: تأمين مزيد من الأسواق للاستهلاك، ومزيد من الثروات للاستيلاء عليها، وتقنين العلاقات داخل المجتمعات وبين بعضها البعض على أساس أوضاعٍ ثقافية وسياسية واقتصادية تصون قوانين الرأسمالية ووجودها ودورها. في القرن الماضي والنصف الأول من هذا القرن، كان الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر هو نهج قيادات الدول الرأسمالية الغربية ثم تحوّل هذا النهج إلى أساليب غير مباشرة اضطرت الدول الغربية الكبرى المهيمنة إلى استخدامها بفعل حركات التحرر الوطني في أكثر من مكان، وأيضاً بسبب وجود المنافس العقائدي على الطرف الآخر: المعسكر الشيوعي، وما كان يمارسه هذا المعسكر من استغلال لهذه الحركات التحررية في حربه مع المعسكر الرأسمالي الغربي. اتساع الاهداف إنّ الأطروحة الغربية عن «العولمة» هي الآن تحت القيادة الأمريكية التي كانت تقود معظم الأحداث الدولية في القرن العشرين، وكانت رأس حربة المجتمعات الغربية الرأسمالية في مواجهة المجتمعات الشرقية الشيوعية. لذلك، فإنّ الولايات المتحدة تجد نفسها في موقع المنتصر الأول بعد سقوط الكتلة الشيوعية، وهي ـ من وجهة نظر قياداتها الفكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية ـ معنيّة الآن بقيادة العالم كلّه وباستكمال نشر عناصر الدعوة الرأسمالية ومفاهيمها الثقافية والسياسية والاقتصادية ولصالح أمريكا أولاً. لكن هذا الدور الأمريكي الهادف بقاع الأرض كلّها، لا يريد معه شريكاً منافساً حتى ولو كان من داخل المجتمعات الغربية الرأسمالية نفسها لذا ترافقت محاولات الهيمنة الثقافية الأمريكية على الشعوب الأوروبية، مع فترة سقوط الاتحاد السوفييتي، حيث كان ذلك ضرورياً من وجهة النظر الأمريكية حتى لا تخرج أوروبا عن القيادة الأمريكية، وتبني لنفسها في ظلّ خطوات الاتحاد الأوروبي عناصر قوة مستقلة ومنافسة للقوة الأمريكية الرائدة الآن. وقد إمتزجت في مطلع عقد التسعينيات نظريتان مصدرهما الاساسي أمريكا، الأولى كان رائدها صموئيل هينتنجتون، وعنوانها: صراع الحضارات وتخللت نظريته مقولة الصراع الحضاري القادم بين الغرب والإسلام ، والثانية كان رائدها فوكوياما، وعنوانها: نهاية التاريخ والتي وصلت إلى خلاصة مفادها أن الحضارة الغربية قد انتصرت على غيرها وهي الحضارة الوحيدة القائمة الآن. وحسب اجتهادي، فإن النظريتين تكملان بعضهما البعض وتستهدفان العالم كله وليس فقط الإسلام والمسلمين تحديداً. فالحديث عن الإسلام والغرب هو بحد ذاته حديث عن شيئين مختلفين تماماً: فالإسلام هو دين وحضارة وكلاهما أي الدين والحضارة أشمل وأوسع من أي زمان ومكان بينما الغرب هو موقع جغرافي يحمل مضامين دينية وثقافية وحضارية مختلفة، والإسلام فيها كما هي الأديان الأخرى أيضاً. أيضاً، فإن منافسة أوروبا هي الآن مع الولايات المتحدة الأمريكية أي ضمن الغرب نفسه وليس مع المسلمين والعالم الإسلامي فأمريكا هي القوة العظمى الوحيدة الآن التي تسعى لإبقاء السيطرة والهيمنة على أوروبا، ومنع أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة عظمى منافسة لها. إن فرنسا مثلاً شهدت احتجاجات كثيرة على محاولات الهيمنة الثقافية الأمريكية على حساب الثقافة الفرنسية الخاصة. إن ألمانيا مثلاً اضطرت لوضع قاعدة عسكرية رمزية لها في أمريكا كتوازن شكلي يبرر للشعب الألماني الإصرار الأمريكي على إبقاء القوات العسكرية الأمريكية في ألمانيا. إن الكونجرس الأمريكي مثلاً اتخذ قرارات تحظر على الشركات الأمريكية التعامل مع الشركات الأوروبية وغيرها التي تحاول التعامل مع دول عليها حالة عزل أو حصار أمريكي. إن أوروبا الغربية تسعى إلى علاقات خاصة مع الدول العربية والى سياسة متوسطية خاصة نسبة للبحر الأبيض المتوسط الذي يشترك فيه الأوروبيون والعرب ، بينما تسعى أمريكا إلى الانفراد بالمنطقة العربية وثرواتها ومستورداتها العسكرية والاقتصادية المختلفة، وتطرح السوق الشرق أوسطية التي بوابتها إسرائيل وُتجّارها الأساسين من الأمريكيين. إن أوروبا الغربية تمارس نوعاً من السياسة الخارجية المستقلة تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي وتحاول أن تكون اكثر توازناً في المواقف قياساً على الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل دائما. إذن، هو صراع في الدائرة الغربية نفسها، لكن على المصالح في المنطقة العربية تحديداً وفي العالم الإسلامي عموماً. وقد كان العرب ـ كما كل شعوب العالم الثالث ـ ضحية الصراعات بين قوى الغرب الكبرى، اكثر من مرة في التاريخ القديم والمعاصر. فمشكلة أوروبا الآن هي مع أمريكا: سياسياً واقتصادياً وثقافياً حتى لو جمعتهما حضارة واحدة لذلك، تسعى أمريكا إلى التخفيف من حدة الاستقلالية الأوروبية التي تقودها فرنسا وألمانيا، واستباق تحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة منافسة خطرة على المصالح الأمريكية في أهم بقعة جغرافية بالعالم: الأرض العربية من المحيط إلى الخليج، وما في هذه البقعة من ثروات طبيعية، وموقع جغرافي استراتيجي، ورموز ومقدسات دينية للعالم بأسره. كمين مشترك! بناء على ما سبق، أعتبر أن أطروحة صراع الحضارات والحديث عن صدام مرتقب بين الإسلام والغرب، يخدم الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى تطويع الأوروبيين وضمان وجودهم تحت المظلة الأمريكية من جهة، والى تبرير أي إجراء أمريكي في العالم الإسلامي من جهة أخرى. هي أطروحة كالمنشار: تقطع في الاتجاهين، وتحاول أن تستند إلى توظيف سلبيات الماضي عند الطرفين الأوروبي والعربي: الحروب الصليبية من جهة وما سبقها من امتداد إسلامي إلى قلب أوروبا، والاحتلال الأوروبي الغاشم للعديد من دول المنطقة في القرن الماضي والنصف الأول من القرن العشرين. وعلى الرافضين لأطروحة صدام الحضارات ـ وهي أسلوب الترهيب ـ القبول بأطروحة أخرى تقول أن العالم اليوم تحكمه حضارة واحدة تحت شعارات العولمة و القرية الصغيرة و الحضارة الإنسانية الواحدة ، أي الترغيب بالانتماء إلى الحضارة الواحدة القائمة الآن: الغربية في ملامحها وسماتها، والأمريكية في قيادتها وفي توظيفها. وهذا الاختيار بين «الترهيب» أي «صدام الحضارات»، أو «الترغيب» بالانضمام إلى «الحضارة الواحدة»، هو تماماً كالتمييز بين: الحرب أو الاستسلام. ولاشك بأن الكثير من الدعوات والفتاوى والممارسات التي حدثت في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي ككل، تخدم بشكل غير مباشر هذه الاستراتيجية الأمريكية التي تريد أن تجعل من أطروحتها النظرية حقائق واقعية على الأرض، مثبتة بقرائن عن العنف الإسلامي الذي يستهدف كل الغرب والموالين له هنا وهناك! بالمختصر، فان نظرية صدام الحضارات هي كمين أمريكي مشترك للعرب والمسلمين من جهة، وللأوروبيين من جهة أخرى. أما الخيار الآخر أمام الشعوب التي لا تريد الصدام الحضاري مع أمريكا، هو أن تُسلَم بمنطق وجود حضارة واحدة سائدة في العالم اليوم. صحيح أن هناك عالما واحدا هو الكرة الأرضية التي نعيش عليها ـ كانت كذلك منذ بدء الخليقة ـ لكن أيضاً على هذه الأرض والعالم الواحد، حضارات متعددة وشعوب متعددة وقبائل متعددة وثقافات متعددة، وعلى هذه الشعوب أن تختار بين أن تتصارع أو تتعارف وحينما تتعارف ستبني فيما بينها الكثير من العناصر المشتركة التي تتحول إلى حضارة إنسانية لاحقاً. وأعتقد أن الحضارة الإنسانية ـ بالمعنى الإنساني العام وبالاكتشافات العلمية ـ هي واحدة، لكن ليس بالمعنى الثقافي أو الديني. فهناك اختلاف بين الشعوب بحكم سنّة اللّه تعالى أولاً وقبل أي شيء آخر، وبحكم التوزيع الجغرافي للشعوب والانتماء الإنساني إلى بيئات مختلفة ممّا أوجد تعدداً في اللغات والعادات والثقافات والقيم الإجتماعية، وهذه المسائل ستبقى موجودة طالما بقيت الكرة الأرضية أنه عالم واحد، لكنه يقوم على حضارات متعددة، وعلى ثقافات متعددة داخل كل حضارة. وأعتقد أيضاً أن من السذاجة القول بأننا وصلنا إلى مرحلة الحضارة الواحدة فالحضارة ليست هي مسألة كمبيوتر وساتلايت الحضارة ترتبط دائماً بمضامين ثقافية وفكرية متميزة بخصوصيات، مهما استفادت البشرية منها في كل مكان. هذا ما حصل مع الإسلام نفسه، الذي استفادت منه أوروبا في نهضتها الفكرية والعلمية بعد عصور القرون الوسطى إن ما جاء به الإسلام من تأكيد على دور العقل ومن قيم ومبادئ تنص على كرامة الإنسان والشورى والعدل والمساواة بين الناس هي مفاهيم وقيم سبقت النظريات والتجارب الديمقراطية الغربية المعاصرة، وان كنَا لا نطبقها في إطار شامل بالمجتمعات العربية والإسلامية. ومهما تقاربت دول العالم في المجالات الاقتصادية والتجارية والعلمية والإعلامية ـ وربما أيضاً في سمات الأنظمة السياسية ـ فان الخصائص الثقافية لكل أمة ستبقى قائمة لتلعب دوراً رئيسياً في العلاقات والمصالح، وربما الصراعات، بين الأمم المختلفة على هذه الكرة الأرضية الواحدة. وفي ظل هذا العالم المتغير، فان تصحيح الذات العربية والذات الإسلامية يجب أن تكون له الأولوية قبل الحديث عن كيفية «إصلاح الصورة العربية والإسلامية» في الغرب فالأصل هو «الأصل»، ومن يستخدمون «الصورة المشوهة» يستندون أيضاً إلى تشوهات قائمة في «الأصل» نفسه. ولأن العرب هم قيادة العالم الإسلامي، ولأن تقدمهم وخيرهم هو تقدم وخير لكل العالم الإسلامي كما يؤكد ذلك التاريخ والحاضر فالأَولى بالعرب اليوم تصحيح واقعهم السياسي والاجتماعي وبناء تكاملهم الاقتصادي وتعزيز هويتهم الثقافية العربية والالتزام بأصول المبادئ والقيم الحضارية الإسلامية. إن العرب يتحملون ـ بحكم المشيئة الإلهية ـ دوراً خاصاً في ريادة العالم الإسلامي، فأرضهم هي أرض مهد الرسل والرسالات السماوية، ولغتهم هي لغة القرآن الكريم، وعليهم تقع مسئولية ريادة إصلاح الواقع الإسلامي عموماُ. كذلك فإن أرض العرب هي الأكثر إستهدافاً من كل القوى الكبرى الطامعة على مر التاريخ، فهي أرض ثروات وخيرات طبيعية وهي موقع جغرافي هام يربط قارات وحضارات وأسواق عالمية. إن هذا العصر هو عصر الدين والقوميات معاً، كما هي بشائره منذ سنوات، أي عصر الإيمان الديني والثقافات الخاصة في إطار عالم واحد. إن العالم الواحد يقوم على حضارات إنسانية متميزة عن بعضها البعض، تشترك في أشياء وتختلف في أخرى، كما إن كل حضارة واحدة تقوم على ثقافات قومية متميزة عن بعضها بخصائص تختلف من أمة إلى أخرى. فالمصدر الواحد للخلق ـ الله تعالى ـ هو الذي جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن تعددهم واختلافهم وتبادل المعرفة بينهم، يزدادون تطوراً وتقدماً في جدل اجتماعي يتميز به الإنسان منذ بدء الخليقة ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن