تعاني البيئة البحرية الكثير من الويلات والمآسي، ولو جففنا البحر لوجدنا اكواما متناثرة من حطام السفن وبقايا ناقلات النفط وخزانات وقود يتسرب منها الزيت في أناة محولة البحر الى صحراء قاحلة لا تكاد ترى فيها حراكا. الكثير من الاسماك هجرت مياهنا الشاطئية بعد ان كانت مصدرا للتنوع البيولوجي والتكاثر الفطري في الخليج، ذهبت تبحث عن مكان اكثر امانا للحفاظ على فصائلها من الانقراض، واصبح صيادونا يكابدون مزيدا من المشاق والجهد للابحار بعيدا الى الاعماق ليصلوا الى مواقع تواجد الانواع المطلوبة من الكائنات المائية. ورغم التقدم العلمي والتطور التكنولوجي الهائل الذي نلمسه على الارض الا ان البحر بقي معزولا عن تطبيق ادنى بند من التشريعات التي فصلت من اجل حمايته من الكوارث المحتملة، لذا فانه بات يواجه مصير العدم بمفرده في كل يوم تغرق فيه ناقلة نفط او يتسرب منها الزيت الى سطحه. صيادو السمك وحدهم يحملون في صدورهم هموم اليم واناته، ويشاطرونه الحزن على ايام من شبابهم قضوها في صحبته ينهلون من خيراته القدر الوفير، كان يبادلهم الحب، ويتقاسمون معه الوفاء والعيش الرغيد. غير ان حال الناس لم يدم كعهد البحر بهم، وتيار المادة كان اقوى جذبا من تيارات الماء فانساقوا اليه ولو على حساب قناعاتهم والتزاماتهم مع من كان لهم عونا وسندا في العسر. وان كنا اليوم نرفع شعارات البيئة وندين التلوث ونطبل لحماية الاحياء البحرية من العدم. فانها مجرد فقاعات تظهر على السطح في المناسبات ثم لا تلبث ان تتلاشى، فيما تبقى بقع الزيت جاثمة على صدر اليم تكبت انفاسه وتحيله مع السنين جثة هامدة لا حياة فيها. صمود البحر رغم تصحره من الاحياء، وتجرده من الكائنات ليس صبرا علينا، بل في صموده حكمة للاجيال القادمة تروي لهم ان المادة عمت في يوم ما بصيرة اهله ولم تكن البيئة تهمهم بقدر حرصهم على تحقيق الثروات وتقديم المصالح الشخصية على عامة المصالح القومية.